منارة الإمارات العربية
الخميس، ٣ ديسمبر ٢٠١٥
من ينظر للعالم العربي بالأمس القريب، ويقارنه بالواقع الحالي يجد أن عددا كبيرا من منارات العلم والمدنية والمعرفة والثقافة والفنون، التي كانت مشرقة في عالمنا العربي، لم تعد كذلك، بعد أن ساد عليها السواد والوهن والتخلف.
القاهرة كانت منارة تحمل الشعلة، وبغداد كانت تضاهيها، وبيروت، ودمشق، وتونس، وغيرها.
كلها كانت منارات حضارية تشع بكل ثقافة، وتهب دول الجوار المثل الحي في سمو حياتها المدنية، وفي نسيجها الاجتماعي، وفي قدراتها على مجاراة دول العالم المتقدم في تأصيل الحضارات، وفي كثير من العلوم والثقافات المتقدمة.
وبقدرة قادر انقلب حال الثقافة في تلك المنارات، فتقوقعت في سراديب الماضي، بعد أن تسيس «الإخوان المسلمون»، وسيطرت الصحوة بأموالها على الإعلام والمفاهيم، وحُجم العلم ونُبذت الوطنية، وأزيحت المعرفة، وتم دحض كل جديد في ثقافات تجعل الموت أهم من الحياة.
ثلاثة عقود من الزمان كانت كافية لتصبح مفاهيم الشعوب العربية متدنية، ولتدخلها في أوضاع معيشية خطيرة، ومدارات وطنية متناحرة، وفي نظرة للفنون والعلوم بحرمة ومنع، بعد أن أصبح أدعياء الدين يتدخلون في كل شأن حياتي، ويمنعون، ويقطعون، ويكفرون، ويمسحون.
وتغلغلت السياسة وتعمقت هي الأخرى بهواجس بقاء الحكام، والأمن المفتقد، والعدو المتآمر، وتمازجت بصور الدين لتنفيذ مخططاتها، وتكسير أعناق شعوبها، وتحويل الثقافات إلى سخافات وممنوعات باحثة عن السلطة، وقاتلة للحريات.
وقد جنى العرب في السنوات الخمس الماضية ثمر ذلك الزرع، من ثورات، وقلاقل، وفرق إرهاب، وتحول شعبي إلى الثقافة النظرية، والبعد عن العلم والعمل.
تلك المنارات العربية انطفأت ببساطة، ولم يعد بينها ما يمكن أن يعول عليه.
ولكن ضجيج انهيار المنارات القديمة أيقظ دولة صغيرة كانت تسبح على شواطئ خليج البترول سابقا، فلملمت عزمها، وانفتحت على العالم، وعلى المعارف والرقي والتحضر؛ فأصبحت منارة الإمارات العربية المتحدة.
وربما يعتبر البعض في كلامي هذا إجحافا أو مبالغة؛ ولكن المقارنة الحالية بينها وبين أي منارة عربية سابقة لن يكون في صالح الماضي.
الإمارات أيقنت أن الحياة خليط من الدين والدنيا، والسماحة، والحياة والمستقبل، وعرفت كيف تصنع منارتها الفريدة متعددة الآفاق.
بنية الإمارات التحتية، أبراجها، نظامها، جامعاتها معاهدها، سباقها في محافل العلوم والثقافة، وتميزها في حرية الإنسان، واحترام كل المعتقدات والأديان، جعلها قبلة لكل شعوب الأرض، وجعلها منارة لكل جديد وأصيل ومبتكر.
القانون المدني كان سلاما، والمحاكم المدنية كانت فيصلا، فلا فرق بين غريب، ومواطن يبحث عن حقه طالما أنه لا يضر بالآخرين.
المبدعون في كل المجالات توجهوا للإمارات، حين وجدوا فيها البديل الأمثل عن الهجرة للدول المتقدمة، فكل شيء فيها ميسر، ومقدر ومحترم.
المؤسسات العالمية التجارية والصناعية تتسابق للبقاء هناك، ليقينها بأنها الأفضل والأكثر قربا من المنطق.
لقد أصبحت الإمارات منارة للثقافة العربية وأكثر، رغم ما تعانيه من ضغوطات وتحديات، على أيدي من يحاولون إطفاء شعلتها، وتحويلها إلى مدن موتى وخوف وظلام، لا تفترق عن مدن أكوام خراسانية جامدة امتلأ بها عالمنا العربي بلا روح، ولا معنى، ولا طعم.
نبارك لها يومها الوطني، ونتمنى لها الثبات والعلو، وللمدن العربية الأخرى فرصة سانحة للتعلم منها ومضاهاة خطواتها المنيرة.