الصدف لا تصنع المجتمعات

نعم أيها القارئ الكريم النجاحات الكبرى تأتي بالرؤية والتخطيط وعمق الأهداف وجدية المتابعة، ولا تتحقق بالعشوائية والارتجال والفرص المفاجئة
قد يصدق عقلك ببساطة أن رجلا فقيرا تعثر في صندوق خشبي أثناء سيره في الطريق وعندما فتح الصندوق وجد به كنزا
نعم هذه قصة يمكن أن يصدق عقلك حدوثها في الحياة، لكن هل يصدق عقلك أن هذا الرجل الذي لم ينل من العلم قليلا أو كثيرا، استثمر ماله في صناعة شركة في مجال التعليم ثم رغم إصراره على عدم التعلم والبقاء في دائرة الجهل صار واحدا من أكبر رؤساء الشركات المستثمرة في قطاع التعليم على مستوى العالم؟ بالطبع سيرفض عقلك تصديق القصة وسوف تقول بصوت واضح إن من يرفض تطوير نفسه وتعليمها أبجديات اللغة فإنه لن يستطيع أن يؤسس شركة عابرة للقارات في مجال التعليم
بل قد تضيف قائلا: أما العثور على كنز من المال فأمر ممكن الحدوث، لكن الحصول على الريادة العالمية لا يتحقق على يد مستثمر أصر على أميته ورفض كل المحاولات ليتعلم ويلج أبواب المعرفة
نعم أيها القارئ الكريم العثور على كنز من المال قد يكون أمرا سهل الحدوث، لكن العثور على جيل معافى عقليا ونفسيا ووجدانيا يتمتع بأعلى درجات الفهم والخبرة والإعداد والاستعداد للمشاركة في بناء الأوطان لا يتحقق عبر الصدف والمفاجآت السهلة السعيدة!السؤال المشروع هنا: كيف سنرتقي سلم النهوض درجة بعد أخرى والأرض من تحت الأقدام رخوة لينة لا تصلح أبدا لوضع سلم العمل فوقها؟ لا أقول الإنجازات، طبعا، بل أقول العمل، لأن المقدمات الصحيحة وحدها هي التي تؤدي لنتائج صحيحة، وما لم تكن البنية الأساسية قائمة على فكر مشرق مضيء يستوعب الحاجات الفعلية والمقومات الأساسية للنهوض، فإن النهضة، بكل وضوح، لن تتحقق
لا يمكن إسقاط التفاصيل الهامة من أي مشروع طموح يدعي القائمون عليه أنه مشروع للوطن وللإنسان
إذا أخذنا التعليم على سبيل المثال، وهو حجر الأساس لأي نهضة منتظرة، فإن كل الجهود التي تبذل سيكون حالها كقبض الريح أوكالكتابة فوق الرمال ما لم تكن هناك بنية أساسية صلبة من التخطيط الذكي والمعرفة المتبصرة بالمناهج المناسبة لبناء الإنسان
بناؤه وإشباع احتياجاته الفكرية والنفسية والوجدانية والاجتماعية ودون هذا الشمول في التخطيط فإن الجهود ستكون حتما عبثية أو ناقصة تشوبها العيوب وتحيط بها الأخطاء والثقوب
إن أهم مشروع يمكن أن يتبناه المجتمع الطموح هو مشروع التعليم، حيث يكون إعداد الإنسان بوصلة المعلمين وقبلة واضعي المناهج
خذ أي بنيان تريد تشييده وانظر لحجم الأدوار ومتانة البناء الذي تتطلع إليه، وتأمل هل يمكن أن تبني بنيانا يتحدى مفاجآت الطقس ويصمد أمام التقلبات المناخية الحادة على مر الزمن دون أن يتوفر له بنية تحتية قوية وصلبة؟ الإجابة قطعا هي أن القواعد الصلبة هي التي يقف عليها البنيان الشامخ، كذلك الأمر بالنسبة للتعليم، إذ لا يمكن توقع مخرجات تعليمية قوية إلا عبر قاعدة معرفية صلبة يقف عليها واضعو المناهج
وكلما كان هؤلاء القائمون على اختيار المواد والبرامج التي سيتم تطبيقها في المدارس على مستوى التحدي والطموح، قويت اللبنة الأساسية والقاعدة الصلبة التي ستقف عليها لاحقا منظومة التعليم
المدرس، المدرسة، الإدارة، المناخ والبيئة، العناصر المكملة والداعمة والمساندة، المعززات والمثيرات، كل تلك الأدوات اللازمة للعملية التعليمية لن تكون فاعلة دون بنية معرفية صلبة تتوفر للفئة المسند إليها اختيار النظام التعليمي والمناهج الدراسية المعتمدة
لقد أثبتت الأيام لنا، نحن أبناء هذه الأمة التي نتطلع لغد أفضل، أن التعليم شأنه أكبر من أن يكون عهدة في يد غير القادرين والمهيئين لتحقيق المهمة المناطة بهم
نعم لم يرتق التعليم لأسباب كثر يقف على رأسها أن من قاموا باختيار المناهج الدراسية كانوا في الغالب الأعم في مستوى علمي هو أضعف من المهمة المناطة بهم
إن النوايا الحسنة لا تصنع المجتمعات المتعلمة، والأمنيات الطيبة وحدها لا تصنع العلماء والباحثين والمخترعين، وأحلام اليقظة لا تغير في الواقع شيئا
كما أن النقد والتشنيع أيضا لن يساعدا في سد الخلل وردم الهوة الساحقة بين الواقع والمثال
ما يصنع المجتمعات الجادة هو تعليم جاد، ومن يأتي بالمناهج الحية هم الكفاءات العلمية المتمتعة بالخبرة والمعرفة والدراية
وكل الاجتهادات الأخرى والمحاولات الأخرى هي مجرد جهود تزيد من هدر الزمن وتضعف من فرصنا في التقدم، بل تقود مع الأسف لتراكم المشاكل بسبب الخلل الكبير الناجم عن ضعف بيئة التعليم وبنيته الأولى.