كيف سيوقف الإصلاح الاقتصادي تآكل الطبقة المتوسطة؟

الحراك الذي يمر به الاقتصاد حاليا يؤكد الرغبة الجادة في إصلاحه، والإرادة القوية لبناء اقتصاد متنوع، عملية الإصلاح الاقتصادي الكبرى التي بدأت تتشكل ملامحها، تطبخ على نار هادئة بما يكفل نضجها ونجاحها دون أن تعرقل النمو الاقتصادي، أو تؤدي لاضمحلال الطبقة المتوسطة من المجتمع التي بدأت في التآكل بشكل واضح مع دخول الألفية الجديدة.
تراجع أسعار النفط وما سيخلقه من عجز في الميزانية العامة لهذا العام، وفي موازنة العام المقبل، والتراجع في حجم الإنفاق الحكومي تعد بلا شك جوانب سلبية، إلا أننا يمكن أنها نعتبرها نعمة كبرى، إذا أخذت كمحفز لهذا الحراك الإصلاحي، لأنها ستجنب البلاد ظهور أعراض المرض الهولندي، كما أنها دعوة للاستيقاظ والعمل لإصلاح الاقتصاد وتنويعه، بالاستفادة من دروس وتجارب التراجع التي تكرر كل عشرة أو خمسة عشر عاما، وما ولدته من قناعة حول الاعتماد على النفط وحده، وما قد يخلقه من مشاكل اقتصادية ومالية حتى لو تحسنت أسعاره في المدى المنظور، والجانب الآخر، وهو لا يقل أهمية عن تنويع الاقتصاد، يتمثل في ضبط الإنفاق العام، وترتيب أولوياته، وخلق مزيد من المتابعة للمشاريع، ومراقبة أوجه الصرف، كما أنه قد يقود إلى مراجعة سياسات الدعم الحكومي لبعض القطاعات، وحصرها على المستحقين فقط، وخفض أسعار الأراضي والعقار، وتكاليف المعيشة (التضخم بشكل عام).
والأهم في ذلك أن الإصلاح الاقتصادي المنشود سيعيد بناء الطبقة المتوسطة التي تآكلت أو انكمشت خلال السنوات الماضية نتيجة للتضخم وارتفاع الأسعار المبالغ فيه، وانهيار سوق الأسهم، وهي ما يهمنا في هذا المقال، لأنها تعد المحرك الاقتصادي لأي دولة في العالم، وتوسعها صمام أمان اجتماعي وأمني، فكثيرا من الدراسات تشير إلى أن انكماش الطبقة المتوسطة يزيد من معدل الجريمة، والعكس، لأن عملية الإصلاح الاقتصادي تهدف إلى إعادة توزيع الدخل وتنويعه، وبالتالي الحد من معدل الفقر والبطالة في الطبقتين المتوسطة والعاملة.
إحصائيا لا توجد نسب تحدد نسبة الطبقة المتوسطة من السكان في المملكة، وكل ما يذكر حولها مجرد تخمينات أو توقعات، وقد يعود السبب في غياب الإحصاءات إلى عدم وجود معايير متفق عليها لتحديد الطبقة المتوسطة، أو عدم الاهتمام بها من قبل مصلحة الإحصاءات العامة ووزارة الاقتصاد والتخطيط رغم أنها شريحة مرجحة وحاضنة للنظام الاقتصادي، ومحرك رئيس للإنتاج والاستهلاك.
وإذا افترضنا صحة هذه التوقعات وأخذنا بها، فإنها تشير إلى أن الطبقة المتوسطة تشكل نحو 30% من عدد السكان، وهي نسبة قليلة جدا مقارنة بالنسب العالمية، فالطبقة المتوسطة تشكل نحو 60% من عدد السكان في الدول التي تتشابه اقتصاديا مع السعودية، وتزداد في بعض الدول الصناعية المتقدمة (اليابان، الدنمارك، فنلندا، السويد) لتصل إلى نحو 90٪ من إجمالي عدد السكان.
وبغض النظر عن خطورة غياب الإحصاءات الدقيقة حول نسبة الطبقة المتوسطة مقارنة بباقي الطبقات في المجتمع على جودة التخطيط ونجاحه، فإن التصحيح الاقتصادي الذي يعمل عليه في الوقت الراهن، سيزيد من نسبة الطبقة المتوسطة وسيوقف اضمحلالها واتساع الفجوة بين الطبقتين الغنية والفقيرة من جوانب عدة:أولا: زيادة فرص التوظيف، وخفض معدل البطالة، سواء أكان ذلك في خلق فرص وظيفية في القطاع الحكومي أو في القطاع الخاص عن طريق تخصيص بعض القطاعات الحكومية التي كانت مدرجة على قائمة التخصيص، وتعطل تخصيصها عندما عادت أسعار النفط للارتفاع بقوة في بداية القرن الحالي.
ثانيا: تنويع الدخل وإعادة توزيعه بطريقة عادلة من خلال مراجعة برامج الدعم الحكومي ومنحه للفئات المستحقة، وهذا سيمنح أبناء الطبقة المتوسطة فرصا لتنمية دخولهم، أو منحهم فرصا اقتصادية من خلال الاهتمام بريادة الأعمال، ومساعدتهم في بناء مشاريع مستقلة أو بالمشاركة، وهذا سيمنع ظهور الأمراض الطبقية والفئوية التي لا تأتي بخير دائما.
ثالثا: زيادة الادخار هي نتاج لزيادة فرص التوظيف، وتنويع الدخل وإعادة توزيعه بطريقة عادلة، مع ضبط الأسعار، وهذا سيمنحها فرصا كبرى لتنمية دخولها، واستثمارها، إضافة إلى زيادة الإسهام في التكافل الاجتماعي لمن هم أقل دخلا منهم.
وعندما تعود الطبقة المتوسطة لنسبتها الطبيعية أو تتوسع فإن الاقتصاد هو المستفيد النهائي من ذلك، لأنه يعني عودة الابتكار والعمل والإنتاج، وزيادة النمو الاقتصادي.
alofi.m@makkahnp.com