ثقافة نفتقدها بكل تأكيد!
الأربعاء، ٢ ديسمبر ٢٠١٥
الشارع ضاج بالسيارات التي تبدو دائما عجلى ونزقة، والصباح مثل الظهيرة في الرياض أو أي مدينة في زماننا هذا، وقت مليء بالتوتر والشغل والغضب والمواعيد: وقت عنيف ومتبلد وغير مكترث.
ولكن حارس مدرسة البنات الابتدائية رقم 373 بالرياض يخرق هذا الوقت الغليظ، ويصنع زمنا مختلفا: زمنا حنونا ومسؤولا وصادقا وفسيحا ورضيا.
وذلك لأنه أحال دوره من موظف إلى أب للمدرسة يستشعر صلة حميمة بطالباتها ومعلماتها، ومن حارس يراقب باب المدرسة وينادي بالأسماء للخروج إلى قلب كبير يستقبل بناته كما يستقبل الضيوف باسما في وجوههن وملاطفا لهن بالكلمات ومصطحبا لهن من سيارات ذويهن إلى باب المدرسة والعكس.
على السيارات النزقة أن تعقل، وعلى الزمن العجل والمتوتر والمتدثر بالصفاقة، أن يتريث ويهدأ ويمتلك الرزانة، في حضرة العم عبدالله المهنا، فهو يفرض على الجميع ثقافة أخلاقية وعملية غير عادية.
ولهذا لم يكن ممكنا كتمان العم عبدالله ولا إغفال ما يصنعه؛ فأصبح أبوعبدالرحمن (وهذه كنيته) حديث المجتمع السعودي، تعليقا على مقطع فيديو ترصده عند المدرسة من حيث لم يعلم، وأمسى حاضرا في مقابلات وأخبار تلفزيونية وصحفية، وتاليا موضع تكريم وإشادة وهدايا ومكافآت من جهات مختلفة تمتد من وزارة التعليم إلى الشركات والمؤسسات الخاصة والأفراد، وكلها تكتسب ذكرا وتكريما من ورودها في سياق البطولة، أضعاف ما تقدمه للبطل من تكريم.
لم يكن ممكنا اختلاق حدث كهذا وإقناع الناس به، لو كان الحدث غير مؤهل لذلك في موضوعه ومعناه والشخصية التي يسند إليها وباقي التفاصيل.
ولكن الحدث هكذا لم يتكون من دون حسبان لسياق التلقي له الذي يرى في أبي عبدالرحمن ما يفتقده وما يحلم به أو ما يحن إليه.
إنه شخص لا يشتبه بغيره ولا يتساوى مع سواه.
ويقيني أن ظهور العم عبدالله في الصحافة والتلفزيون قد بلغ بالحدث درجة عالية في ذلك المعنى؛ أعني معنى الامتلاك لنموذجية أخلاقية وعملية غير عادية.
فقد ظهر مدهشا بمنطقه تجاه عمله، وذلك لأنه إذ يمتن للشكر، يبدو ـ في الوقت نفسه- مثل المستغرب والمتعجب.
قال «هاذي أمانة يا خوي... أمانة أمانة صعبة» «لازم تكون قد المسؤولية» وقال عمن صوره «لو علمت أنه يصور منعته... فأنا أقوم بما يمليه ديني وتربيتي».
بدا العم عبدالله في بنية جسمية قوية، وبعبارات تدلل على تعقله لما يعمل وقصده الواعي إليه، كما بدا بعض خفايا الصعوبات التي تدلل على جسارته وحكمته واستعداده للمواجهة كما في حماية إحدى الطالبات من اصطراع أبيها مع أمها على أخذها من باب المدرسة بتهديد السلاح.
أما ما كان يهمس به باسما للصغيرات فهو حكاية أخرى للعالم الخيالي الذي يرسم بهجته في وجدانهن «تراهم يقولون أنتي أحسن وحدة بالمدرسة».
هناك صور عدة لا بد أن تستدعيها صورة العم عبدالله إلى الذاكرة، من حيث قيام صورته على التعارض معها والضدية لها: صور البطالة المقنعة وصور الذين لا يعشقون عملهم ولا يكترثون بالمسؤولية، وصور المتملقين للمناصب، والمنافقين لرؤسائهم...إلخ.
ولكن صورة واحدة كانت أكثر إلحاحا على ذاكرتي، وهي صورة أصحاب الشهادات الوهمية الذين يقفون على النقيض من صورة العم عبدالله بما يمثلونه من شكلانية فارغة ورغبة في التمدح بما لم يفعلوا...أبوعبدالرحمن ثقافة في العمل والخلق والشعور، لم نعرفها أو عرفناها ثم ضاعت منا، ولكننا نفتقدها بكل تأكيد.