الإسلاميون الحركيون وجماعات الإرهاب
الأربعاء، ٢ ديسمبر ٢٠١٥
البعيد عن رصد الحالة (الإسلامية) في واقعنا العربي يجعل الإسلاميين على اختلاف مشاربهم وتياراتهم وأنشطتهم وأفكارهم في سلة واحدة، وهو في هذا يقدم خدمة جليلة لتيارات العنف حين ينسبها لبعض الحركات الإسلامية المشتغلة في السياسة، أو بعض التيارات الإسلامية المشتغلة في العلم الشرعي، والحق أن الإسلاميين جماعات وتيارات يجمع بينها العمل للإسلام ـ ولو ظاهريا ـ ويفرق بينها الخلاف في فهمه، وطريقة العمل له، وقد يصل الخلاف بينها إلى حد العداوة والاقتتال.
وأكثر التيارات حضورا في الساحة تياران، التيار التقليدي، والتيار الحركي، فأما التقليدي فيتكون من المنتمين للمؤسسات الرسمية العاملة في المجال الديني من إفتاء وتدريس ودعوة كالأزهر في مصر، وهيئة كبار العلماء في السعودية وغيرهما، وغالبا تلك المؤسسات لها موقف نقدي من التيارات الحركية، وأما التيار الحركي فيشمل الحركات المنظمة المشتغلة بالشأن العام سياسيا كان أم دعويا أم تربويا أم تثقيفيا كجماعة الإخوان، وحركة النهضة، والحركة السرورية، وجماعة التبليغ، وثمة قطاع عريض من الدعاة الإسلاميين غير منتمين لتلك الحركات، لكنهم متماهون معها فكريا، وعليه فهم مصنفون بانتمائهم فكريا إلى تلك الحركات.
وبالمقارنة بين موقف التيارات التقليدية والتيارات الحركية من جماعات العنف والإرهاب نجد أن التيارات التقليدية موقفها الرفض الصريح والشجب الشديد، فهيئة كبار العلماء في السعودية غالبا ما تصدر بيان شجب واستنكار إثر كل عملية إرهابية تقع في السعودية، أو عملية إرهابية كبيرة تقع في العالم، ويعد بيانها عن حوادث التخريب وخطف الطائرات في تاريخ: 18/4/1989 من أقدم البيانات التي تصدرها هيئة دينية على مستوى العالم العربي، ومن بياناتها - أيضا - بيان هيئة كبار العلماء حول ظاهرة التكفير في تاريخ: 27/7/1998، وبيان هيئة كبار حول الخلايا الإرهابية في تاريخ: 10/8/2003، وبيان هيئة كبار العلماء عن تمويل الإرهاب في تاريخ: 12/4/2010، وآخر بيان أصدرته الهيئة في شجب العنف استنكاره بيان في استنكار تفجيرات باريس في تاريخ: 11/2015/ 13، ومن المؤسسات الدينية رابطة العالم الإسلامي، وقد صدرت بيانات عدة، منها البيان الصادر في تاريخ: 14/5/2003، وهو في استنكار التفجيرات التي حدثت في الرياض، ومن المؤسسات الرسمية ـ أيضا - مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، فمن أوائل البيانات التي أصدرها كانت في شجب تفجيرات 11 سبتمبر في تاريخ 1/11/2001، وآخر إصدار له في شجب تفجيرات باريس.
وأما التيارات الحركية فموقفها ملتبس، ولطول الكلام وتشعبه في الحديث عن موقف التيار الحركي من العنف سأقصر حديثي عن موقف التيار الحركي في السعودية، فقلما أصدر بيانات في شجب واستنكار جرائم العنف والإرهاب، وإذا أصدر مثل تلك البيانات يلحقها بالحديث عن الأسباب الدافعة لمثل تلك الجرائم، وهو ما يفسر لدى خصومه على أنه تبرير لتلك الجرائم.
و(القاعدة)، و(داعش) هما أبرز منظمتين امتهنتا العنف، كان لهما تماس مع الواقع السعودي من حيث الأتباع، والأفكار، فأما (القاعدة)، فقلما أصدر التيار الحركي بيانا في استنكار إرهابها إلا بعض عملياتها داخل السعودية، كإصدار ستة من الدعاة بيانا في تاريخ: 23/4/2004 يستنكرون تفجيرات القاعدة في الرياض.
وفي بيانات التيار الحركي عن أحداث سوريا، وبعض فتاوى المنتمين لذلك التيار فكريا ما يفهم منه تزكية لجبهة النصرة، وهي فرع عن تنظيم القاعدة الإرهابي الذي فجر في السعودية والمغرب والأردن، وأما تنظيم داعش فلم يتخذ التيار الحركي منه موقفا يبين عن استنكاره لأفعاله حتى أعلن الخلافة، فانصب الإنكار على إعلانه الخلافة، وأنه لا يحق له إرغام الآخرين على البيعة له، واستمر الموقف على هذه الوتيرة مع شيء من العتاب - مع استفحال جرائم التنظيم في سنجار، وغيرها - حتى بعد أن نشبت بينه وبين الفصائل السورية كالقاعدة وأحرار الشام صراع، إذ تداعى بعض الدعاة من التيار الحركي للصلح بينه وبينهم، وأصدر سبعة وأربعون داعيا سعوديا بيانا يطالبون فيه تنظيم داعش بالرضوخ للتحكيم في محكمة شرعية مستقلة في ما نشب بينه وبين الفصائل الأخرى من خلاف، فلم يلق لهم تنظيم داعش بالا، وشرع بقتال الفصائل الأخرى، ولم يبدأ الاستنكار الحقيقي لجرائم التنظيم إلا بعد أن شاع تكفيره لتلك الفصائل واستهانته بدمائهم، عندها اتخذ التيار الحركي منه موقفا صارما، وظل هذا الموقف على مستوى الأفراد؛ إذ لم يصدر أي بيان جماعي في نقد (داعش) كما هي عادة التيار في إصدار البيانات.
هذا الموقف الرخو، والملتبس، وغير الصارم من جماعات العنف دفع كثيرا من خصوم التيارات الحركية إلى اتهامهم بتشجيع جرائم العنف، وغض الطرف عنها، ليتوصلوا من خلال ذلك إلى طرح تياراتهم بديلا مقبولا عن تيار العنف لدى دوائر النفوذ الغربي، وأحسب أن موقفهم الملتبس هذا ليس نابعا من تشجيعهم للعنف، أو غض الطرف عنه، بل هو نابع من الحساسية المفرطة لديهم من كل تصرف قد يفسره جمهورهم على أنه تقرب من السلطات الحاكمة، خاصة أن أعمال جماعات العنف قائمة على تحدي السلطات الحاكمة، وهادفة إلى أضعافها، ولا شك أن هذه الحساسية هي فرع عن براجماتية خاضعة لميزان الكسب والخسارة تحكم تصرفات التيارات الحركية في تعاملها مع أحداث الواقع، وهذه البراجماتية على النقيض من الموقف الديني الذي يجب أن تحتم إليه تلك التيارات الدينية، فالموقف الديني يحتم عليها أن تكون واضحة وصريحة وشفافة.