أختار الحب عن الطاعة
الثلاثاء، ١ ديسمبر ٢٠١٥
يحدث اللجج عادة في كنه العلاقات بين الآباء والأبناء، حسب الفكر والتنشئة والموروث، فالبعض يفضلها طاعة يتبعها الحب، والبعض يريدها علاقة حب لا بد أن تولد الطاعة؛ والبعض الآخر يعمل كل ما في قدرته لأن تكون طاعة خالصة دون النظر للحب.
وقد يصعب على الإنسان منا أن يختار نوعية هذه العلاقة بينه وبين والديه، لأنه يكون قد تربى قصرا على طريقتهما في ذلك منذ الصغر.
ولكن كل منا قادر على أن يصنع هذه العلاقة بالكامل وبالشكل الذي يرتضيه مع أبنائه، ومنذ الصغر، باعتبار أنهم لن يخرجوا عن طوعه، وعما يختاره لهم منذ نعومة البنان.
ولو سألتموني، فأنا أريد أن يكون الحب الخالص هو السائد على علاقتي بأبنائي، وأنا متأكد بأن الاحترام والطاعة يأتيان بعد ذلك كنتيجة حتمية للحب، ومن أوسع الأبواب.
حقيقة لا يهمني أن يُقبل ابني يدي، ولا أن يبلل هامتي بقبلات روتينية يفعلها مجبرا، وما يهمني أولا وأخيرا أن يشعر بي بكل جوارحه، وأن يفهم مرادي في القرب ومن على البعد، وأن يحبني دون تصنع لذلك أمام الناس، وأن أستشعر نبض قلبه، عندما يقبل وجنتي، ويحتضنني، وهو يشعر أنه قريب مني بنوازع الحب المطلق، وأنه لا يحتمل البعد عني، وأنه ستري، وكلمتي، وموقفي، وذراعي، ومعيني حينما تتبدل الأقدام بالعكازات، وأنه شوفي ولمسي حينما تظلم الصور وتهتز، وأن كلامه عني أمام الناس، وأمام أقرب أصدقائه ومع نفسه لا يختلف، فيكون ما يربطه بي هو رابط الحب، وليس الطاعة العمياء، التي قد يفعلها مجبرا، وهو كاره لنفسه.
أنا هنا لا أريد أن أغير في شكليات طباع الناس مع أبنائهم، ولكني أدعو كل أب وكل أم لأن يراجعوا علاقاتهم مع أبنائهم، وأن يقوموا بالتفريق بين الحب الخالد، وبين الطاعة كشكليات وأوامر ونواهي ومظاهر وقتية.
التمرد لا يكون مع الحب، والعصيان لا يأتي على دروب من نحب، لأننا في فترة من الزمن نكون قد عاهدنا الله على أن يكون حبنا أصيلا لا يتبدل ولا يتحور، ويستمر لما بعد سنين العمر، حينما نصبح الأبناء الصالحين، الداعين بالرحمة لآبائنا، دون رياء، ودون كلل.
كم من والد يطيعه أبناؤه طاعة عمياء، ويحرصون على تقبيل رأسه ويده وربما قدميه أمام الناس، ولكنهم في حقيقتهم ينتظرون بفارغ الصبر ذلك اليوم، الذي يرحل فيه عنهم، فتدمع أعين التماسيح، وتمتدح مجتمعاتهم تربيتهم وأعمالهم، مع أنهم كانوا يسابقون الموت ليقتسموا الإرث ببهجة الأعياد.
كم من قصص للعقوق نسمع عنها، وكم من رياء نشهده في صور مجتمعاتنا، والمشكلة أن يكون الابن في داخله، والوالد أيضا يشعران بزيف تلك العلاقة؛ ولكنهما يستمران في التمثيل الروتيني البائس، والتمسك بشروط الطاعة، وكأنها هي الغاية، والهدف.
كل بناء ينتصب دهرا على أساساته، فالوالد هو من يبنيه بطوب الحب، وسيجني ثمار صنيعه من فاكهة الدنيا، ومن بذور ما بعد سنوات الرحيل.
ومن يؤسس للطاعة فقط، فسيندم، حين لا يعود من الممكن فيه عودة تأصيل الحب.
حبوا أبناءكم بعطاء لا ينتظر الرد، ولا تتعاملوا معهم بعسكرية الطاعة.