محاولات «التكامل العربي» في القاهرة

لا بد من الاعتراف، بكل أسف، بأن البلاد العربية لا تزال أقل مناطق العالم تكاملا، على الرغم من الامتيازات التي تتيحها منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، فضلا عن العوامل العديدة المشتركة التي يحل في مقدمتها اللغة والحضارة والثقافة المشتركة.
عندما تنظر إلى الناحية الاقتصادية في المنطقة العربية تجدها تزخر بثروات كبيرة، لكن أثرها على المواطن والتنمية يكاد يكون معدوما إذا ما نظرنا إلى تقارير الأمم المتحدة التي تأكد أن خمس العرب يعيشون تحت خط الفقر، وثلثهم يعاني من الأمية، والشباب يعانون من أعلى معدلات البطالة في العالم بحسب منظمة العمل العربية، وقد وصلت إلى 40% في البلدان العربية غير المستقرة، في حين تبلغ زهاء 25% كحد أدنى في صفوف الفئات العمرية (بين 19 و32 عاما)، والنساء العربيات هن الأقل نسبة في المشاركة الاقتصادية والسياسية، فضلا عن سوء التغذية بين 50 مليون مواطن عربي.
في الأسبوع المقبل سوف تطلق مؤسسة الفكر العربي مؤتمرها السنوي 14 في مقر جامعة الدول العربية في القاهرة تحت عنوان «التكامل العربي»، والسؤال هنا ما الذي يمكن أن يقدمه «مؤتمر فكر» في ظل الانقسام العربي الكبير الذي لم تعد قضيته الإطاحة بهذا الزعيم أو ذاك، وإنما أخذت تتحول تدريجيا إلى انقسام عميق داخل المجتمعات العربية حول التحولات الإقليمية.
كل الأمور التحويلية تحتاج بالدرجة الأولى إلى أفكار حتى لو كانت مثالية.
المهم ألا نتوقف وأن ندعم مشاريعنا الفكرية بالعمل والجهد والمال.
مكمن المشكلة العربية يتمثل في الربط بين المشاريع الفكرية والمال العربي، ودور الحكومات في تبنيها، لو تمكنا من تحقيق «نصف» عدد الأفكار التي قدمتها مؤتمرات فكر خلال 13 عاما فإن ذلك إنجاز رائع بحد ذاته.
لا أريد إعطاء المؤسسة دورا يفوق حجمها ومهامها، هي في النهاية «مؤسسة ثقافية» غير ربحية تقدم أفكارا ومبادرات لإحداث التطوير في مجتمعاتنا العربية، مع زيادة نسبة الوعي والمعرفة، لكن إن لم تتضافر الجهود الرسمية والأهلية والأخذ جديا بملخصات أوراق العمل مع نهاية كل مؤتمر تعقده المؤسسة، فإن ما تقوم به لا يتعدى الحدث الثقافي الإعلامي، الذي تموت أوراقه ومبادراته بمجرد انتهاء مؤتمره.
جهود مؤسسة الفكر العربي كانت حاضرة لمن يتتبع خطواتها والتي حققت جائزة «جوسي» العالمية للسلام للخدمات المجتمعية والإنسانية، غير أن التحدي يبقى قائما أمامها في ظل الواقع العربي الذي يمر بكثير من الإحباطات، في مقابل إشراقات قليلة في فضاءات المعرفة العربية.
أخيرا نقول إن اللحاق بالعصر يستلزم معركة واسعة تهدد مسلمات ولدنا في ظلها ولم نجرؤ سابقا على وضعها موضع تساؤل، ولن نستطيع الانتصار عليها إلا بعقد مؤتمرات فكرية «مكثفة» ومبادرات واسعة بصوت «عال» تجبر الحكومات على تبنيها.