مخلص مطيع.. الشاهد والحسير

حرص السيد مخلص مطيع على أن يحضر باكرا في حفل الوزارة المضروب موعده قبل أكثر من شهر، الحفل كان تدشين خدمة حياتية جديدة للمواطنين، ضيف الشرف كان معالي الوزير الذي ما إن دخل القاعة حتى اشرأبت الأعناق لرؤيته والاستئناس بمنظره وهيبته وجلال قدره، وخصوصا أنه كسر كل قواعد السن وأبجدياته والتي تجعل من في حكمه مدير إدارة على أكثر الأحوال، صبره وجلده ومواهبه بوأته الكثير من النجاحات وآخرها الوزارة.
بدأ الحفل بآي من الذكر الحكيم، ثم كلمة راعي الحفل معالي الوزير الذي بدأ كلمته بحمد الله والصلاة والسلام على رسوله الكريم، ثم انطلق لسانه بلغة عربية ضافية صافية يتحدث عن الوزارة وخدماتها وعن منجزاتها وإصلاحاتها، كان مرتبا في أفكاره وكانت انفعالاته تنبئ عن حرص شديد على أن يزن الكلمة وأن يرسلها واضحة المعنى نقية الهدف والدلالة.
كان السيد مخلص يصارع أمرا لم يكن في حسبانه، فالكرسي كان يتطلب أن يكون أكثر مرونة عند جلوسه عليه، وقامات بعض الحضور أمامه وقامته المحكومة بالقصر سلفا من لدن حكيم خبير، كل ذلك جعله يسترق النظر لمعالي الوزير ويحاول أن يقتنص كل فراغ قدامه يحدثه في الصف أمامه ليكون نافذته لرؤيته والتواصل معه.
حان وقت توزيع الجوائز، كان السيد مخلص يمني نفسه بجائزة ترفع من روحه المعنوية وتخوله الدخول إلى عالم التميز الإداري ومميزاته، كانت الأسماء تتوالى إعلانا بين حسين وحسن ومحمد وحمد وصالح وصلاح، لم يرد اسم صاحبنا!
وبدأ مذيع الحفل يعلن أسماء الإناث ممن كمل عقلهن وأداؤهن في ذلك الحفل، فبدأ بفاتنة أعقبتها فتية ثم أروى وختمت الأسماء بإحسان، وكأنه تذكير له بأن الله لا يضيع أجر المحسنين، لتكون سلواه في هذا الموقف الكرنفالي المهيب الذي عاشه مشاهدا كعادته الكريمة كل عام. أكملت فقرات الحفل وحان وقت توزيع جوائز الترضية، مذيع الحفل ينادي الأستاذ مخلص مطيع، صعد إلى المنصة متثاقلا في مشيته حزينا كون هذه الجائزة لا معنى لها، فهي على أكثر الأحوال كجائزة اللعب النظيف في منافسة كروية صاخبة.
خرج صاحبنا من الحفل حزينا كونه كان أحق بالجائزة الكبرى من أشخاص كثر، وحزن أكثر أن جهده لم يقدر ولم يذكر فيشكر.
السيد مخلص يبدو أنه سيظل أسيرا للتهميش ولن ينفعه جهد أو جلد أو موهبة طالما أنه لا يعرف من أين تؤكل الكتف، هو وأمثاله على أكثر الأحوال إكسسوارات الحدث وأدوات زينته وجمهوره، قدرهم أنهم يعيشون في الهامش وغيرهم يحيون في المتن ليؤكدوا القاعدة القديمة الجديدة: الأقوياء إداريا يحظون بالجوائز والتكريم أما المستضعفون فيظلون رواة للحدث، الواحد منهم مهما علا شأنه يظل مجرد شاهد على مرحلة عاشها قوي نافذ، وإن كرم فلن يعدو أن يكون بعد عشرات السنين ضيفا عجوزا على قناة الجزيرة في حلقة من برنامجها الشهير شاهد على العصر!