المنطقة.. والجيل الخامس

مرت الحروب بالعديد من المراحل في تاريخ البشرية، فمن الحروب التقليدية بين جيشين نظاميين لدولتين، إلى الجيل الثاني من الحروب التي يعرفها البعض بحرب العصابات، ويطلق على الجيل الثالث مسمى الحرب الوقائية أو الاستباقية كالحرب على العراق، أما الجيل الرابع فهو ما يعرف بالحرب اللا متماثلة بمعنى محاربة تنظيم منتشر حول العالم، وهناك الجيل الخامس والسادس من الحروب.
وما يعنينا هنا الجيلان الرابع والخامس من الحروب اللذان تشهدهما منطقة الشرق الأوسط، فنحن نعيش تداخل عدة أجيال من الحروب، لذا أصبح لزاما إدراكها لما لها من خطورة على الدولة والاستقرار والأمن.
إن الجيل الرابع من الحروب يسعى إلى أفشال الدولة وتدمير قواها وتفتيت مؤسساتها، أما الجيل الخامس فيسعى إلى استخدام الإعلام الممنهج لإحداث الارتباك وفقد الثقة في القوات النظامية، واستخدام المواطنين كلاعب أساس وتشكيل العصابات واستخدام جميع البنى المتوفرة لها سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية والاجتماعية كما شاهدنا في ما يسمى بالربيع العربي.
ويجب مواجهة هذين النوعين من الحروب بزيادة الوعي لدى المواطن لمخاطر هذه الحروب التي تسعى لإفشال الدولة والسيطرة على مقدراتها وتسخيرها لأهداف القوى العالمية التي طورت هذه الأنواع من الحروب للتحكم في إمكانات الدول الأخرى.
فقامت بعمل الدراسات والبحوث بهدف تطوير الوسائل التقليدية ونبذ الحروب التقليدية والاستعاضة عنها بهذه الأجيال الحديثة من الحروب.
إن هذه الأجيال من الحروب أشد ضراوة وفتكا ودمارا من الحروب التقليدية، حيث تطال المدن الآهلة بالسكان والبنية التحتية وتدمر اقتصاد البلاد وتفتت منشآتها وتعمل على ترسيخ الطائفية والعنصرية والكراهية، حتى تسهل نهب خيرات البلد، كما يحدث في العراق وسوريا وليبيا، فأصبح الأمن مفقودا والعائد لمنزله مولودا، وأصبحت ساعات من الاستمتاع بالكهرباء أحد الطموحات التي يتمناها الفرد، والمستفيد الوحيد ليس المواطن بل القوى الإقليمية والدولية التي تستغل موارد هذه البلاد الطبيعية لصالح اقتصادها وتستفيد من كوادرها البشرية للعمل لديها بالحد الأدنى من الأسعار.
إن هذه القوى توظف المشاكل وطموحات الأفراد في السلطة والشهرة والمال لخلق الإرباك وفقدان الثقة في النظام مستغلة الهفوات التي قد ترتكب وأخطاء ضعاف النظر والبصيرة لإثارة النعرات في ظل حماس الأفراد في الدفاع عما تشبعوا به من قناعات.
وكلما تمزق النسيج الوطني الذي يجمع أبناء الوطن ازدادت قدرة هذه القوى على فرض أجندتها وتحقيق مآربها.
لقد ظلت هذه القوى لسنوات عديدة تقوم بالبحوث والدراسات والتدريب لاستكمال ما قامت به من اعتداء على سيادة العراق بحجة القضاء على أسلحة الدمار الشامل، حيث إن الموقف الدولي غير مهيأ الآن ولا يسمح لاستخدام القوى العسكرية، وذلك مع تنامي القوة الإقليمية الصاعدة وارتفاع أصواتها ضد القطبية الواحدة لذلك اتجهت إلى «القوة الناعمة» Soft Power التي سوف تمكنها من تنفيذ المخططات بالكامل دون أي خسائر تذكر من جانبها فقد عمدت إلى تغيير الأنظمة وإفشال الدول عبر تحريك الشارع العربي بواسطة وكلائها والمتدربين على التنظيم السياسي والجماهيري والتأثير بالرأي العام ومثال لذلك معهد انشتاين لمؤسسه جين شارب Gene Sharp الذي قام بإعداد أساليب التأثير غير العنيف (كفاح اللا عنف كما يطلق عليه).
لذا فإن الحل الأمثل يكمن في توعية المجتمع لهذه الأمور والتعامل بالقانون والحزم مع المحرضين والعمل بجد لتحقيق العدالة الاجتماعية والفرص الوظيفية المتعادلة لأفراد المجتمع والاستفادة من التنوع الاقتصادي لكل منطقة لخلق فرص عمل وتنمية القطاع الخاص بها ودعمه لأن ذلك يصب في استتباب السلم الاجتماعي للمجتمع والتكافل المجتمعي.