أسهل تبرئة في العالم!
الجمعة، ٢٧ نوفمبر ٢٠١٥
قبل مدة قصيرة تفجرت فضيحة شركة «فولكسفاجن» الألمانية للسيارات، على خلفية تحايلها ببرامج مراوغة تخدع أجهزة قياس الانبعاثات الكربونية والتلوث في أمريكا، ويقال إن خسائر الشركة بلغت 18 مليار دولار، وليست هنا القضية، بل قضيتنا في صمت وزارة التجارة السعودية، وهيئة المواصفات والمقاييس، وهيئة الأرصاد وحماية البيئة، حين نعلم أن في السعودية وكيلين لفولكسفاجن، وسنكون في هذه الحالة أمام أمرين: الأول، أنه ليست لدينا أجهزة لقياس الانبعاثات السامة، ولم تضطر الشركة لصناعة متحايلات كما فعلت في أمريكا. والثاني: أن جهاتنا المختصة تملك أجهزة دقيقة لا تملكها أمريكا، ولا تستطيع الشركة التحايل عليها أو خداعها؛ ومن يعلم؟ ربما لأن «دمّها عربي».!
الغريب في الأمر إلى درجة مريبة أن هذه الجهات لم تقم بدورها في طمأنة الناس، وإرسال تحذير إلى هذه الشركة وغيرها، من مغبة التلاعب والخداع، فحتى تصريح وزارة التجارة المنشور بهذه الصحيفة لم يحمل أي ملامح للإحساس بالمسؤولية، والصادم أن الجملة الأولى في الخبر: «برأت وزارة التجارة سيارات شركة فولكسفاجن»، ثم حين تبحث عن «البراءة» تجدها نتيجة استفسار الوزارة من الوكيل، فكان الجواب «طال عمرك ما عندنا سيارات ديزل»!! ويكفي اعتراف المسؤول باعتمادهم الكامل على تصريح وكلاء السيارات، وبالفعل بادر أحد الوكلاء إلى طمأنة العملاء، لكن طمأنته ليست أكيدة؛ لأن شهادته مجروحة، فهل يُعقل أن يعيب الرجل سلعته؟، أما ممثل الوكيل الآخر فكانت إجابته مسددة، حين قال إن سيارات الشرق الأوسط لا تختلط مع سيارات أمريكا في خط الإنتاج «الاختلاط حرام»!!، ثم إني شاهدت للصديق (مهند أبوعبيد) مقدم برنامج موتورز على روتانا خليجية لقاء مقتضبا مع أحد وكلاء فولكسفاجن في السعودية، فكان السؤال الأول: هل طلبت الشركة من وكلائها في السعودية مضاعفة المبيعات لتعويض خسائرها جراء الفضيحة؟ وانتهى اللقاء دون أن يلفت أحدهما النظر إلى براءة سيارات الشركة في بلادنا من التلاعب.
حتى وإن خلت السعودية والخليج من سيارات الديزل، فإن هذه الفضيحة كافية لكشف تلاعبات أخرى ربما في المواصفات والمقاييس المحددة لمنطقتنا، فالشركة التي صنعت برنامجا الكترونيا يتحايل على اختبارات انبعاثات العادم لسيارات الديزل، قادرة على صناعة برمجيات أخرى تتلاعب بمؤشرات ومواصفات قياسية أخرى، فكما يقال شعبيا «اللي يسرق بيضة، يسرق جمل»، وربما هناك شركات أخرى تقوم بذات التحايلات، أو أكثر و»الوقاية خير من العلاج».
فرحنا بنشاط الوزير الربيعة، واختلافه عن كثير من الوزراء، وتحريكه لوزارة التجارة في ركب المستهلك المغلوب على أمره، ومن ينكر جهود الرجل الممقوت عند التجار؟ فقد كانت كل شركات السيارات تستدعي سياراتها لإصلاح أعطال مصنعية، إلا عندنا «فالأمور دايما تمام التمام»، وسياراتنا تسير «بالبركة» حتى لو استغنى الصانع عن «التروس»!!، وهذا النشاط للوزارة في استدعاءاتها التي نراها كل يوم في الصحف، هو مصدر الاستغراب أن تمرّ فضيحة فولكسفاجن هكذا، دون تثبت، واختبارات دقيقة، وضمانات حقيقية نطمئن بعدها إلى جدية مواصفاتنا، ثم يأتي الاستغراب الآخر من صمت هيئة المواصفات والمقاييس التي يمسّها الخبر، وتستهدفها التلاعبات، فنحن المواطنون نثق تماما حينما نجد ختم «مطابق للمواصفات القياسية السعودية»، وحتى وإن صمتت هيئة المواصفات فأين صوت الهيئة المسؤولة عن سلامة البيئة؟ كل هذه الأسئلة تمور في رؤوس المواطنين؟ وكان يجب تصفيدها بالإجراءات الحقيقية الحريصة على سلامة البيئة والصحة ومقدرات الوطن.
إن سوق السيارات في بلادنا من أنشط ميادين التلاعب، ومن أكثرها إثارة للريبة في الكثير من التعاملات، بدءا من جشع تجار السيارات وأسعارها العالية جدا والتي تتزايد كل عام، ثم تحايلات بعضهم في إدخال كل شيء في المواصفات، فربما تجد فرق السعر بين طرازين عشرة آلاف ريال في حين أن الفرق بينهما «ولاعة إضافية، وتكاية»!!، وحتى لون السيارة المرغوب يصبح حافزا لإضافة عشرة آلاف أخرى إذا كان من الألوان المرغوبة، ناهيك عن تلاعبات كثيرة، لا يدركها إلا من يدفع ثروة في شراء سيارة، يكتشف لاحقا أنها لا تساوي نصفها، وهذا كله وأنا لم أتحدث عن قطع الغيار، والصيانة وأمور كثيرة أخرى.
معالي الوزير، لا نزال نأمل الكثير من العطاء من لدن وزارتكم الموقرة، ونأمل حقا تقليص مساحة التحايلات والتلاعبات التي يدفع ثمنها المواطن والوطن، أما التاجر فيملك كل الامتيازات، ويحظى بالدعم الحكومي السخي، وإن أعطى الوطن شيئا، استردّه أضعافا مضاعفة، ولا يخفاكم أن المستهلك قد «غسل يديه تماما» من صلاح كثير من التجار أو إحساسهم بمسؤولية اجتماعية أو بيئية أو صحية، فالتاجر يأكل «بيديه وأسنانه» صباحا، وتراه «يلطم» ليلا، شاكيا باكيا من جور الناس والإعلام والأجهزة الحكومية والزمن، وربما الوطن!