نحو مجتمع مدرسي خال من التسلط
الخميس، ٢٦ نوفمبر ٢٠١٥
أقامت مدرسة أبنائي خلال العام الدراسي أسبوعا توعويا عن التسلط الطلابي (Bullying) وله في لغة التربويين مسميات عدة مختلفة مثل الاستئساد، والاستقواء، والتنمر والترهيب وغيرها.
وما يلفت النظر في بريطانيا - بحكم إقامتنا - اهتمام المدارس الشديد بنشر التوعية ضد هذا السلوك الطلابي المرفوض الذي قد يكون سببا رئيسا في تسرب التلاميذ من المدرسة لعدم قدرتهم على مواجهة التلميذ المستأسد أو رد أذاه أو حتى كأسهل الحلول شكايته إلى المعلمين لإيقافه.
والتسلط في المجتمع يأخذ أشكالا متعددة، فمنه ما يحدث داخل المحيط العائلي فيقع على بعض أفراد العائلة المستضعفين، ومنه ما يقع في المجال الوظيفي فيعاني منه بعض الموظفين المغلوبين على أمرهم، إلا أن موضوع الحديث هنا سيكون عن التسلط الواقع في المدارس.
حيث تنشط التوعية بهذا السلوك في المدارس وتتنوع ما بين نشرات مدرسية أو اجتماعات توعوية للوالدين أو تخصيص مواقع على الانترنت للتعريف بهذا السلوك المؤثر من ناحية على قابلية التعلم لدى التلميذ، ومن ناحية أخرى يؤثر على العملية التعليمية.
كما تقوم المؤسسات التعليمية بفتح خطوط مباشرة لاستقبال الشكايات واحتوائها وتخصيص مواقع لمشاركة الخبرات السيئة للمتضررين في طفولتهم من هذا التسلط في محاولة للتخلص من آثار تلك الخبرات السلبية.
واللافت في هذه التوعية استمراريتها، حيث إن الاستمرارية في طريق ما تضمن الوصول وتحقيق الهدف منها.
وهذه التوعية تهدف إلى بناء ثقة الطفل المستضعف بنفسه وقدراته وعدم السماح باستغلاله أو اضطهاده ورفضه الظلم ودفعه، وإدراكه لحقوقه وواجباته.
كما تضمن في المتسلط ردعه وغرس احترام القوانين وقبلها احترام الآخرين وخصوصياتهم وكرامتهم واستلال السلوك العنيف غير المبرر منذ الصغر.
وبذلك ينشأ مجتمع يعرف حقوقه وواجباته ويتعايش باحترام متبادل بعيدا عن مبدأ الغلبة للأقوى.
ومن أبسط الأساليب التي قرأت عنها لمواجهة العدوانية اللفظية مثلا هو تعليم الطفل تكنيكا يقوم على أخذ القوة من الكلمات المسيئة، حيث يدرب على تخيل الكلمات المسيئة شيئا ملموسا بحيث يمكنه الإمساك به ثم إلقائه في سلة المهملات، ثم يقول لنفسه بصوت مسموع ما كان يود أن يسمعه أصلا.
فمثلا لو قيل له: أنت غبي! فعليه أن يقوم بإلقاء هذه الكلمة المسيئة بعيدا ثم يقول لنفسه: أنا ذكي !ولو قيل له: أنا لا أرغب في اللعب معك! فله أن يمارس ذات التكنيك ويلقي الكلمة بعيدا عن مشاعره الإيجابية ثم يقول: سأجد صديقا آخر يلعب معي!وتفكرت في حالنا أيام دراستنا حيث لم يكن لدينا دراية عن خطورة هذا السلوك المدرسي المرفوض، فكانت تحدث بعض التصرفات المستفزة بين التلميذات أو السخرية الدائمة من بعضهن أو تمزيق الدفاتر، مما يكون سببا في ارتفاع نسبة الغياب عن المدرسة خوفا من العقاب أو تجنبا للتندر والسخرية، وبذلك تقل فعالية العملية التعليمية.
وكان كل ما يحدث ضمن قناعتنا غير الواعية بأن هذا إنما هو جزء من البيئة المدرسية التي يجب أن نتحملها ونتعايش معها مهما كانت درجة السوء في تلك التصرفات المتسلطة ودون أن تكون لدينا مرجعية مدرسية صارمة تضمن الدفاع عمن وقع عليه الاعتداء أو تردع المعتدي، بل قد يصل الأمر غالبا إلى عقاب الشاكي والمشتكى منه دون تثبت في استحقاقية أي منهما للعقاب مما يمنع التلميذ المستضعف من تكرار الشكوى خوفا من دخوله تحت دائرة إزعاج السلطة المدرسية.
هذا إضافة إلى السلطة الداخلية داخل الفصل بدءا بالعريفة ثم وكيلة العريفة التي تصادر فرحة الطالبات بغياب العريفة الأساسية وانتهاء بالعريفة السرية التي تسبب بسلوكها الجاسوسي الكثير من الفرقة والمشاكل بين الطالبات والمعلمات، وليس المجال هنا للحديث عن طرائق بعض المعلمات في العقاب والتي أثرت سلبا في تحصيل بعض التلميذات وأجبرتهن على كره المدرسة بل وترك الدراسة كلية! أما مدارس البنين فحدث ولا حرج فقد كانت مرتعا للتسلط اللفظي والبدني.
فالملاحظ في التربية الجمعية لأبنائنا هو أننا لا نركز على تعليمهم احترام غيرهم، وعدم التدخل في خصوصياتهم وعدم إيذاء الآخرين.
بل تركيزنا في الغالب يكون على تعليمهم كيفية مواجهة الأذى ورد الإساءة بالمثل والدفاع عن النفس وقد ننجح في إكساب أطفالنا منذ صغرهم هذا السلوك العدواني الذي يمثل في نظرنا سلوكا بطوليا، فيستمرئ الطفل هذه البطولة المصغرة المبكرة وتتحول لديه إلى سلوك دائم لا يحتاجه فقط في رد الأذى عنه بل يتعداه إلى تجربة الاعتداء على غيره بهدف اجترار وتكرار لذة الانتصار الأولى.
ونحن بذلك لا نكون قد أسهمنا في الحد من هذه التصرفات المتمردة المتنمرة في المدرسة بل رسخناها وتناقلها الأطفال فيما بينهم كسلوك مدرسي صحي يحدث أن يتطور معه في المستقبل إلى سلوك مجتمعي صحي أيضا، وبالتالي نكون نتيجة لعدم تكاتف المدرسة والبيت في خلق الوعي التعليمي الشخصي والمجتمعي، قد أضعفنا السلوك السليم، وقوينا السلوك الشاذ، حتى ليبدو الطفل المهذب الذي يحترم قوانين المدرسة ويميل للتصالح أو يتغاضى عن الإساءة هو طفل ضعيف وهدف سهل لمن يريد تجربة الاستئساد.