قينان وإلغاء الهيئة واستفزاز المجتمع
الخميس، ٢٦ نوفمبر ٢٠١٥دأبنا على قراءة مقالات لمجموعة من "الكتبة" في غالبيتها "استفزاز" للمجتمع حول قضايا تهم الشأن العام للمجتمع، يكون الرد والتعليق عليها مشروعا لنا في أي موقع طالما أنهم وظفوا زواياهم الكتابية ومقابلاتهم التلفزيونية للحديث والتعبير عنها "باسم المجتمع" دون أن ينيبهم المجتمع في ذلك، وأحد هؤلاء الكتبة "قينان الغامدي" الذي دعا في لقاء تلفزيوني عبر قناة الـMBC إلى "إلغاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وكتب ذلك في صحيفة الوطن، وهي دعوة ليست بالمرة الأولى التي نسمعها من قينان ولن تكون الأخيرة!
وكم كنت أتمنى عليه لو قال "لنستفتِ المجتمع في قضية إلغاء الهيئة" وساعتها كان لقينان أن يعلم الجواب المقنع الذي سيجعله يعلم أين تقع مكانة الهيئة في قلوب الناس، وأن 99% من المجتمع لن يقبل رأيه، وأن الواحد في المائة هم الذين لا يسرهم رؤية جهاز الهيئة في "المولات"! فجهاز "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" من أوائل الأجهزة الدينية التي قامت مع قيام المملكة
العربية السعودية ووجدت الدعم ولا تزال من ولاة الأمر منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه إلى عهد سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وفقه الله ونصره، ولن تحيد هذه الدولة التي حباها الله أقدس البقاع وجعلها قبلة لكل مسلم في مشارق الأرض ومغاربها قيد أنملة عن دعم جهاز الهيئة "لأنها تعلم أن قيامها هو استجابة لقول الله تعالى": ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ"، وتعلم بأن هذا الجهاز يشكل خصوصية لا يمكن نكرناها مهما ارتفعت الأصوات لنقدها، ولعل تلك المرأة الأمريكية العائدة لبلادها بعد قضاء ردحا من الزمن في بلادنا كانت منصفة للهيئة أكثر من بني جلدتنا يوم قالت: "لو تمنيت شيئا اصطحبه معي وأنا أعود لبلادي لتمنيت جهاز الهيئة"، لأنها عرفت فضائله.
وفي الحقيقة لم نعد نستغرب من سيسن رماحه لنقد رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في كل مرة متجاهلا الخدمات الجليلة التي يقدمها رجالها للمجتمع التي (لا ينكرها) إلا جاحد حاقد في قلبه مرض على الهيئة أو يضمر في نفسه شيئا للالتزام الديني والذي يراه تشددّا مع أن الالتزام الديني سمة وفطرة في هذا المجتمع وإن أنكروا، وما تسكبه أقلامهم من نقد يجبنون عن كتابته لغيرها من الأجهزة.
وأنا هنا لا أدافع عن الهيئة ولا عن أخطاء قد يقترفها بعض رجالها نتيجة للحماس أو نقص الخبرة، إلا أنها تعد (قطرة) في بحر منجزاتهم الأمنية التي لا تتناولها الأقلام الساخطة على الهيئة، تلك الأقلام التي لم تكتب مرة تعتذر عن إدانات من قبلهم للهيئة ثم تم تبرئتها بأحكام قضائية، كما قال ابن نباتة: (وإذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍ.
.
جاءت محاسنه بألفِ شفيع)، فكم
سمعنا من فتيات وجدن في الهيئة الملاذ والمخلّص لهنّ من قبضات المبتّزين بعد الله، وكم سمعنا عن شجاعتهم وحرفيتهم في مداهمة أوكار الدعارة والفساد والقبض على المفسدين وكشفهم لبحيرات الخمور والمسكرات في البراري وبين الجبال والتلال وقيامهم بطمرها، وكم من قصص السحر وأعمال الشعوذة والأذى نجحوا في كشف أصحابها وأنقذوا بفضل الله ضحاياها.
كم نجحوا في الحد من موجات التحرش والمعاكسات في الأسواق التي تزعج الكثير من الأسر، حتى وصل ببعض الأسر والعائلات إلى الإحجام عن النزول للأسواق والمراكز، وكم من الارتياح النفسي والأمان يشعر به رواد الأسواق حينما يرون رجال الهيئة يجوبون الأسواق فيعطي وجودهم نوعا من الاطمئنان.
ولا يمكن لعاقل أن يتفق مع دعوة قينان الغامدي لإلغاء الهيئة، فعلينا أن ندعم هذا الجهاز الديني ولا نعلن الحرب عليه، وأن نعدل حين نوجه لرجاله النقد ونمتلك الشجاعة لنقد رجالات الأجهزة الحكومية الخدمية الأخرى، وما أكثر تقصيرهم في المستشفيات، والبلديات وفي أجهزة أخرى.
لكن رؤيتهم النقدية عبر عنها الإمام الشافعي:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة لكن عين السخط تبدي المساويا.