السلطة الفلسطينية أرعبت إسرائيل
الخميس، ٨ يناير ٢٠١٥
التصعيد الأخير بين القيادات الفلسطينية وإسرائيل في أعقاب طلب السلطة الفلسطينية الانضمام إلى اتفاقية روما لتكون عضوا في محكمة الجزاء الدولية أسبابه سياسية دبلوماسية قانونية لكنها في الأساس هي إنسانية أخلاقية.
أرعبتم إسرائيل حتى باتت تفكر في الالتحاق باتفاقية روما لقطع الطريق عليكم في محاولة تضييق الخناق عليها ومعاقبتها بسبب ما ترتكبه من مجازر وجرائم.
إسرائيل ليست طرفا في معاهدة محكمة الجزاء الدولية لكنها تعرف أكثر من غيرها أن قياداتها التي ترتكب جرائم حرب ضد الإنسانية لن تفلت من العقاب وهي تتجول في العواصم الأوروبية لذلك هي ترتعش خوفا وترتعد غضبا.
إسرائيل تفترض أنها قادرة في التأثير على السلطة الفلسطينية من خلال تجميد إرسال أموال الضرائب لها التي تصل سنويا إلى 500 مليون دولار وتراهن على الدعم السياسي الأمريكي واحتمال تجميد المساعدات السنوية المرسلة أمريكيا إلى السلطة الفلسطينية، لكن مشكلة تل أبيب وواشنطن هذه المرة هي أبعد من التلويح بتجميد أموال المساعدات فالقيادة الفلسطينية، درست جيدا خطوتها هذه قبل أن تقدم عليها كما يبدو وهي اختارت التصعيد السياسي والدبلوماسي مع إسرائيل التي تماطل وتحاول التملص من التزاماتها وتعهداتها المقدمة للشعب الفلسطيني أمام المجتمع الدولي وبضماناته منذ مطلع التسعينات وحتى اليوم.
ورطة تل أبيب هي أنها لم تحصل من القيادة الفلسطينية على أي تعهد بعدم الانضمام إلى المنظمات الدولية والأممية قبل حسم موضوع الصراع العربي الإسرائيلي لكن ورطتها الأكبر أنها تعهدت هي قانونيا لتقديم المساعدات إلى السلطة في إطار اتفاقية أوسلو وباريس وهي الآن تخل بالتزاماتها من طرف واحد وستتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن خطوتها هذه أمام المجتمع الدولي إذا ما قرر التحرك لإيقافها عند حدها طبعا.
إذا ما كان الجيش الإسرائيلي جيشا أخلاقيا كما يقول نتنياهو وهو يعرف أن الالتحاق فلسطينيا باتفاقية روما لا علاقة له بالاعتراف الأممي بالدولة الفلسطينية ولن يجعل منها عضوا كاملا في الأمم المتحدة فلماذا يعارض إذن؟ إسرائيل بدأت تفكر جديا في الالتحاق باتفاقية روما التي تعارضها لسبب واحد فقط هو قطع الطريق على محاولات عزلها دوليا بعد سريان مفعول قبول عضوية فلسطين في المحكمة الدولية، وهنا تسقط مقولة أخلاقية الجيش الإسرائيلي من تلقاء ذاتها ويظهر حجم احتراف الخطوة الملعوبة فلسطينيا.
الانضمام إلى اتفاقية روما قد لا يوقف إسرائيل عند حدها ويمنعها من مواصلة اعتداءاتها على الشعب الفلسطيني لكنها هي ستعرف أنه بعد قبول الدولة الفلسطينية طرفا في الاتفاقية ستكون مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة تحت حماية هذه الاتفاقية أيضا التي ستتدخل مباشرة لمعاقبة إسرائيل على أفعالها وهذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير الإسرائيلي فأرعبته وتركته وسط حالة من الغضب والتصعيد الهمجي على هذا النحو.
أليس من حق القيادة الفلسطينية أن تبحث عن بدائل وخيارات توفر لشعبها المزيد من الحماية والضمانات الدولية ضد الاعتداءات الإسرائيلية؟
قد لا يكون لقرار قبول العضوية مفعولا رجعيا لكن المستقبل مهم أيضا وهذا ما قررته القيادة الفلسطينية ولم تتراجع عنه رغم التحذيرات الإسرائيلية والأمريكية ولكن المؤسف أكثر رغم رفض بعض المنظمات الفلسطينية لدعم خطوة حكيمة أشرف عليها الرئيس محمود عباس مباشرة.
خطوة القيادة الفلسطينية هذه لم تترك إسرائيل وحدها في حالة ارتباك بل هي كشفت أوراق كثير من الذين يقفون إلى جانبها ويدعمونها سياسيا ودبلوماسيا وماديا، لذلك هم غاضبون أيضا وسيبحثون عن وسيلة لإجبار الرئاسة الفلسطينية على التخلي عن قرار التحرك من جانب واحد لكسب الاعتراف بفلسطين في المحافل الدولية والأممية.
ويبقى السؤال الذي ينتظر الإجابة العاجلة هل تتحول هذه الأزمة إلى فرصة باتجاه بناء السلم العادل والحقيقي في مسألة الصراع العربي الإسرائيلي أم إن البعض سيواصل سياسة النعامة التي تخفي رأسها في التراب؟
القيادة الفلسطينية تستعد للذهاب مرة أخرى لمجلس الأمن لطرح مسألة إلزام إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة، خطوة قد تعرقل أمريكيا بحق النقض هذه المرة لكن من سيتحمل ارتدادات ما سيجري لاحقا وهو يطالبنا بأن نكون شركاء له في بناء السلام والعدالة ومحاربة الإرهاب والدفاع عن حقوق المظلومين في العالم.
الأموال التي ستجمدها إسرائيل سيكون هناك من يعوضها عربيا وإسلاميا وربما أوروبيا حتى، لأن بالون التحدي يكبر ويزداد انتفاخا وهو يكاد ينفجر في أية لحظة.