السياب وأعلام الزركلي
الجمعة، ٢٠ نوفمبر ٢٠١٥
اكتشفت -وأنا أقرأ كتاب «الأعلام» لخير الدين الزركلي- أن آراءه في أعلامه ليست سواء، وربما اتفق لي أن قرأت لديه ترجمة مختصرة فيمن حقه أن يبسط فيه الكلام، ويظهر لي أنه وجد في كتابته عن نفر ممن عاصرهم من الأعلام، ما ينزل فيه من أقدارهم، فاقتصد في كلامه، أو تعمد إدراج لفظ مكان لفظ، وعسى أن يكون مذهب الزركلي في الأدب والثقافة والسياسة باعثا له على النزول بأقدار أناس كان حقيقا عليه أن ينزلهم منازلهم في العلم والأدب والسياسة والاجتماع، والأمثلة ليست بالقليلة، ولكنها كثيرة كثرة ظاهرة، ويكفي هنا أن أسوق رأيه في كوكبة من الأعلام: فحسْب أمين الخولي أن يكون في أعلامه «من أعضاء المجمع اللغوي بمصر»، ثم لا نظفر بشيء، بعد ذلك، عن مقدار سهمته في تجديد النظر في البلاغة والتفسير، ولم يفز إلياس أبو شبكة إلا بأسطر خجلى، هو فيها مترجم يحسن الفرنسية، كثير النظم بالعربية، ونشر مجموعات من نظمه، ولولا أنني أعرف أن إلياس أباشبكة شاعر، من كبار الشعراء اللبنانيين المجددين، ولولا أنني أعرف أن كوكبة من النقاد قد صنفوا في شعره كتبا لها شأنها، لحسبْت أن أباشبكة ليس إلا رجلا من غمار الناس، وأنه كثير النظم بالعربية! ولا يعتريني شك في أن خير الدين الزركلي لم يشأ أن يكرم صاحب «أفاعي الفردوس» بلقب «شاعر»!تتكرر هذه الآراء في طول كتاب «الأعلام» وعرضه، ولا تكاد تخلو صفحة من صفحاته من حكم غريب فيمن ترجم لهم، وبينما خصّ إلياس أباشبكة وأنيس الخوري المقدسي وحمزة شحاته بأسطر هزيلات، فسح لأمين ناصر الدين نهرا كاملا من كتابه ذي القطع الكبير، ولم ينسَ أن يخصّه بلقب عزيز صعب، وهو «شاعر مجيد»، وفي الصفحة نفسها نقرأ كلاما واسعا مبسوطا في أمين الريحاني، ولكننا لا نقرأ فيه إلا أنه «كاتب خطيب»، عاش حينا من الدهر في أمريكا، ثم عاد إلى وطنه لبنان، وفيه درس شيئا من قواعد العربية، وتمضي السطور تتلوها سطور ونخرج من الترجمة، ولا أثر فيها لكلمة «أديب» أو «شاعر»!ولا يختلف الأمر كثيرا في ترجمة الشاعر العراقي بدر شاكر السياب، الذي شق للشعر العربي طريقا جديدا.
كان المظنون أن يومئ إلى ما له من سهم في الشعر الجديد، سواء أعجبه ذلك الشعر أم لم يعجبه، وأن يحفظ له مقامه الذي رفعه إليه الشعراء والنقاد والقراء في الأدب العربي الحديث.
كان ذلك هو المظنون، ولكننا لا نقع على شيء من ذلك، لا من قريب ولا من بعيد، وحسْب السياب أن يظفر بسطور هزيلات هو فيها: «أديب عراقي، كثير النظم...نشر مجموعات من نظمه»! ولم يظفر منه بكلمة «شاعر»، وهي من الكلم الشائع في أعلامه، خص بها شعراء، وحرم منها آخرين، وأطنب حينا فقال عن غير مترجَم: «شاعر أديب»، فصاحب الأعلام يعرف مصطلحاته جيدا، وإلا لما قال عن خالد الفرج: «شاعر أديب مؤرخ»، وعن خليل شيبوب: «شاعر، من أدباء الكتَّاب»، وعن خليل مطران: «شاعر، غواص على المعاني، من كبار الكتَّاب»، أما بدر شاكر السياب الذي قال الزركلي في ترجمته: «أقيم له «تمثال» في إحدى ساحات البصرة»، فأحسب أن قارئ الترجمة، إن لم يعرفه، يخرج منها وقد عرف أن السياب ناظم لا شاعر، وربما عجب القارئ وسأل: كيف يقام لـ»ناظم» تمثال في مدينة العربية والشعر البصرة؟! وكيف غفل الزركلي، وهو شاعر عظيم، عن ذلك، أَوَ لَمْ يرَ في الصحف التي نعته، والمجلات التي وقفت أعدادا كاملة منها عليه، والنقاد الذين صنفوا فيه جمهرة من المؤلفات..ألم يرَ في كل ذلك ما يلفت نظره إلى أنه يكتب عن شاعر عربي عظيم! أم أنه الهوى والتعصب، وقلَّما سلم منهما أفذاذ العلماء والأدباء.