عن الذبح والاستسلام للقاتل!

كثيرون الذين طرحوا أسئلة عن سبب استسلام الضحية قبل القتل، وقبل الذبح خصوصاً.
يا سيدي في المعتقل تصيبك حالة غريبة جداً! تشعر أنك مذنب فعلاً، وينتابك إحساس غريب بأن السجان أو الخاطف هو الشرعي، بل وتحس بالامتنان إذا سمح لك السجان أن تقضي حاجتك مرتين في اليوم في حين السجان الآخر يسمح لك مرة واحدة فقط! وإذا سمح لك السجان بالخروج للمطبخ لتحضير إبريق شاي لزملائك تسمع كثيرا من الدعاء بالزنزانة للسجان "ابن الحلال" الله يحميه والله يوفقه! عند الدواعش انتابني نفس الشعور، الشعور بالذنب والتعاطف مع الجاني! وقررت أني إذا خرجت سأترك كل شيء؛ المجلات والعمل وكل شيء، وأنتبه لنفسي وعائلتي، وأن كل عملي كان بلا فائدة بدليل أني خطفت ولم يحرك أحد ساكنا! وكنت أشعر بالامتنان تجاه السجان إذا وسع القيد على يدي قليلا أو أقفله لكي لا يزيد ضيقا عليهما… بقيت على هذه الحال يومي الثلاثاء والأربعاء، لكن ليلة الخميس صحوت! كان المعتقلون التسعة معي بالغرفة الذين مضت أربعة شهور وهم مخطوفون؛ كانوا ينتظرون إطلاق سراحهم مثل ما وعدهم السجان! لكن مر يوم الخميس والقاضي المصري لم يستدع أحدا أبدا.
ليلا وبعد إطفاء الأضواء بالمحكمة وخمود الحركة، صحوت من النوم على نكز أحدهم لي وهو يهمس جداً: أستاذ محمد أستاذ محمد استيقظ! رفعت رأسي لأكتشف أن كل مساجين الغرفة الذين كانو نائمين، متحلقون حولي ! قال لي واحد منهم وكان عمره 54 سنة: يا ابني أنت تعمل في الإعلام ويمكن أن يطالب بك أحدهم وتخرج.
ضحكت في قرارة نفسي لأنهم لا يعلمون أن الإعلامي أشر مكانا ومن المستحيل أن يتركوه! المهم، أكمل الرجل: نحن هنا منذ شهر وقبلها كنا بسجن آخر لثلاثة شهور، ورأينا تعذيبا لم نره بفروع المخابرات، نريد أن نحملك أمانة، قصصنا وقصص من قتلوهم أمامنا، وهذه القصص ستبقى أمانة في رقبتك لتوصلها للناس ولعائلاتنا، لأننا سنقتل هنا غالبا! واستمر الكلام حتى الفجر تقريبا، فردا فردا حكوا لي قصصهم، وقصص الناس الذين أعدمهم داعش أمامهم، ورغم كل ضعف ذاكرتي وعدم اهتمامي بالحفظ إلا أن ذاكرتي في تلك الليلة كانت حديدية! في تلك اللحظة صحوت، واكتشفت كم كنت صغيرا ومغفلا عندما فكّرت بمصلحتي الشخصية، وبكيت تحت "البطانية" لأني كنت يائسا من الخروج، ومع ذلك كان بعضهم يرى فيّ الأمل، وأني إذا خرجت يمكن أن أساعدهم أو أخرجهم! حتى الآن عندما أتذكر هذا الموقف أشعر بنفس القشعريرة التي شعرت بها في تلك اللحظة.
منذ تلك اللحظة صارت الأمور مختلفة، صرت مقتنعا أنه بعد كل الموت الذي رأيناه صار الموت شيئا بسيطا جدا وتافها، يعني إذا كان الداعشي محترفا سيستغرق 10 ثوان ليكون رأسك بجانبك! وبوقت أقصر بكثير يمكن للقذيفة أن تنهي كل الموضوع! لكن الحياة هي الصعبة، الحياة هي التي إما أن نعيشها بكرامة أو نذبح طوال أعمارنا! حكاياتهم تخنقني مطالبة بتحريرها.
.
وسأفعل!