ذكريات "العشش"!

لاحظت في الآونة الأخيرة اهتمام صحيفة مكة بالمصارع «أندرتيكر»! شخصيا لم تعد المصارعة تغريني بالمشاهدة لتحولها لجانب تمثيلي فج! أقول هذا الرأي مطمئنا على الورق، أما بحال وقدر الله مواجهتي لمصارع - وجها لوجه - فإن الرأي سيختلف! فالروح «غالية» و«نصف الرجولة الهرب»؛ وهيهات يستطيع اللحاق بي وإن امتلك امتداد ساقي وسرعة العداء «هادي صوعان»!
إنما ذاكرتي تحمل صورا جميلة لـ«مصارعة زمان»؛ ففي بيئة قروية تعد فيها مشاهدة التلفاز ترفا كانت الإذاعة وسيلة ترفيهنا الغالبة؛ نستيقظ على أثير «لندن» ببيت الوالد، وأطوي يومي بالاستماع لبعض «أنغام الأصيل» بصحبة «عمي» المتعلم وإمام المسجد المتصالح مع جمال الحياة، وحدها كانت ليلة الثلاثاء تحمل استثناء! بالسماح لنا بمشاهدة «التلفزيون» من قبل السيد الوالد حتى وقت متأخر حسب توقيتنا القروي لمشاهدة «المصارعة الحرة»! كان تعليق «إبراهيم الراشد» – يرحمه الله - يضفي حماسا لفنون أساطير المصارعة: «المحارب» و«سنوكا الطائر» و«العملاق»، وهو التفاعل الذي ينعكس على وجه أبي وحركات يديه – يرحمه الله - لدرجة أعتقد معها أنه سيقدم على «شق قميصه» لا طربا وإنما بسبب «فرط الحماسة» مضاهيا حركة «هولك هوجن» الشهيرة! وبانتهاء البرنامج تنتهي سهرتنا الحافلة! والنتيجة أنني أخرج بعينين مجهدتين لشدة التركيز الناتج عن «قلة الولف»! وكأنهما التاثتا ملحا كالذي ينثره المصارع المراوغ «فوجي» في عيون خصومه ليكسب بالحيلة والخداع!
أسوق ذكرياتي معتقدا أن الحياة ما هي إلا حلبة مصارعة واسعة لا «مسرح» استعراض للمهارة والبأس، لكل مصارع حركته الشهيرة المميزة، حدوث حالات احتيال رغم المراقبة والقوانين الصارمة! «الجمهور» ركن أساسي إنما غير حيادي وتسوقه العاطفة رغم عدم ممارسته الفعلية للمصارعة! حتى الذين لا تربطهم صلة بالحلبة يستثمرونها لتعود عليهم بالفائدة من خلال المراهنات! وللنساء أيضا نصيبهن من هذا الصراع الدامي!
عموما انتهت المساحة المخصصة للمقال قبل التعريج على عبثية تسوير حلبة المصارعة بـ«شبوك حديدية» لغرض جلب أكبر قدر من «العوائد» المادية! كان الله في عون المصارع الأضعف!