إذاعات مليئة بالإساءات.. خواء وتفاهات!

وردني مقطع يحمل محتوى مخيفا لشخص يعرض مقطعا لبرنامج إذاعي يحوي كلاما هابطا وضحكات مفتعلة، ويطلب فيه المذيع بوقاحة عجيبة وسماجة مقيتة أن يهاتف المتصل زوجته ويحدثها بكلام رومانسي! وقد علق ذلك الشخص على ذلك البرنامج وتلك الإذاعة بكلام يترفع القلم عن ذكره.
وقد انتشرت مؤخرا إذاعات تعتمد على البرامج التي تعتمد على أصوات المذيعات وضحكاتهن في إسفاف عجيب، وبعيدة كل البعد عن البرامج الهادفة والمفيدة، فلا وجود للبرامج الحوارية التي يمكن أن تثري المتلقي في كل ما يهمه من أمور حياته، ولا وجود للبرامج التي تستعرض احتياجات الناس ومشاكلهم وهمومهم وشجونهم أو تعرفهم بحقوقهم وواجباتهم، وإن وجدت فهي على نطاق ضيق جدا.
ومن الواضح التركيز على البرامج التي تخص شريحة المراهقين ليس بتثقيفهم وتربيتهم وإنما بتحريك غرائزهم بالإتيان بمذيعات من جنسية معروفة، وهذا مؤشر خطير جداً، بدليل التركيز في الآونة الأخيرة على أن يكون في كل برنامج مذيع ومذيعة معاً، وتسمع حينها أنواع الضحك والاستخفاف بشكلٍ يخدش الحياء والذوق العام، وكل ذلك حتى يتم استدراج الشريحة الكبرى في مجتمعنا.
ولا غرابة أن يطرح مجلس الشورى توصية تنص على أن تعيد وزارة الثقافة والإعلام النظر في المحتوى الإعلامي والثقافي في الإذاعات الخاصة، وإلزامها بتقديم خطة برامجية ربع سنوية لا تقل فيها البرامج الثقافية والمسؤولية الاجتماعية عن 50 في المائة من محتواها، واصفة ما يدور فيها بأنه لا يشرّف أحداً، ولا تقدم فيها أي فوائد سواء من النواحي الوطنية أو الاجتماعية.
وفي دراسة قام بها الأستاذ الجامعي والإعلامي الدكتور مالك الأحمد أكدت أن ما تم رصده يصل إلى 15 ساعة من برامج كل إذاعة من الإذاعات الست الخاصة بالمملكة، وجاءت أبرز اهتماماتها بالأغاني وضياع الأوقات، وأن الأغاني والفواصل الغنائية متواصلة حتى إعلانات الترويج للإذاعة غنائية، أغنية فإعلان غنائي فبرنامج قصير ففاصل غنائي والفترة بعد منتصف الليل كانت عبارة عن أغان مدتها تتراوح بين 4 إلى 6 ساعات تتخللها فواصل إعلانية.
وخلصت الدراسة إلى أن الإذاعات الخاصة تركز على فئة الشباب من الجنسين، والعنصر النسائي هو أكثر الفئات التي تتواصل مع البرامج، كذلك جميع الإذاعات يعمل بها الشباب مع الفتيات وأغلبها بالاشتراك بينهما، وأن من نتائج الدراسة أيضا اهتمام الإذاعات وبرامجها في الغالب سطحية، وتربي الشباب على التوافه إلا فيما ندر وتعتمد على الضحكات بين المقدمين.
وشبه غياب للبرامج التوعوية والتوجيهية التي يحتاجها الشباب.
وسيطرة البعد التجاري البحت من خلال كم الإعلانات الضخم.
وخدمتها للمجتمع ضعيفة، والإضافة التي قدمتها ليست كافية، رغم وجود بعض البرامج الجيدة، ولكنها قليلة جداً.
وقد أعجبني ما صرح به أحد مدراء الإذاعات الحكومية حيث قال إن محتوى الإذاعات الخاصة هش وتخاطب المراهقين، ويخدش الحياء ومبادئ المجتمع، وهي لا تنافس إذاعته، لأنها لم تجذب إلا المراهقين.
وليت الأمر توقف عند هذا، بل تجاوزه لما هو أخطر منه، ووصل إلى حد الاستهزاء ببعض النصوص؛ فمذيعة تصف حديثا نبويا صحيحا بكلام يترفع القلم عن ذكره؛ صونا لذائقة القارئ الكريم!والكرة في مرمى وزارة الثقافة والإعلام، وأعتقد أنه بات لزاماً عليها أن تعيد النظر حقاً فيما تقدمه هذه الإذاعات، ومن ثم تعتمد هذه توصية مجلس الشورى التي أشرت إليها آنفا، وبعدها إذا ما تعذر على الإذاعات التغيير إلى الأفضل فما على الوزارة إلا سرعة إغلاقها، حيث تثبت حينها بأنها لا يمكن أن تفيد وتثري المتلقي بشيء، بل على العكس فإن استمرارها يعد معول هدم خصوصاً لفئة الشباب والنشء.
والعتب يقع على وزارة الإعلام التي أعطت التراخيص، ويبدو أنها لم تضع شروطاً على المحتوى ومدى مناسبته للمجتمع، فمن الواضح أنه لا توجد رقابة ولا محاسبة ولا ضوابط للمحتوى الذي يبث.
وفي نفس الوقت لا يوجد اعتراض -مع بالغ الأسف - من المستمعين ولا شكاوى على المحتوى الذي يصعب وصفه ويستحيل رسمه من الهشاشة والبعد عن الذائقة الرفيعة.
وبالعودة إلى المقطع الذي يتداوله مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي وبرامج الجوال، فإن المرجو أن يراجعه القائمون على الوزارة، وكذلك الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع، والتي لا يعلم المتابع ما دورها، وما أهمية وجودها، وأن تتم محاسبة القائمين على تلك الإذاعة ومعاقبتها بشكل علني.