الاختلاف هو الأصل
الثلاثاء، ١٧ نوفمبر ٢٠١٥
الحياة لا تخلو من مشاكل في كل مستوياتها وأبعادها، الفرد له مشاكله مع العمل ومع البيت وربما مع الجيران، والمحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه، وحتى الطريق الذي يذهب معه لعمله ويعود إليه قد يجد فيه من المشاكل ما ينغص رواحه وذهابه في كل يوم.
والجماعة لها مشاكلها التي تعانيها وتحتل اهتمامها وتفكيرها وتبحث لحلول لها وقد لا تجد لمشاكلها حلا يرضيها ولا تستطيع تغيير الواقع لصالحها في كل الأحيان، تختلف الجماعات والطوائف لأسباب شتى يصعب الاتفاق عليها بينهم، لأن النظر مختلف والفكر مختلف والمصالح والأغراض كذلك، وحتى أنت تجد في طريقك ومحيطك القريب أشياء مزعجة لا تتفق معها في الرأي ولا النظر ولا في الأهواء والمطالب مهما كان حجمها ومهما كانت أهميتها وحاجة الناس إليها.
اختلاف الجماعات واختلاف الأفراد والناس عامة وخاصة هو الأمر الطبيعي والتوافق هو القليل بينهم، وكذلك رجال الأعمال وأهل الأموال لهم عالمهم الذي يعيشونه ويتنافسون فيه ويتسابقون عليه ويختلفون حوله أشد الاختلاف، ومقياس نجاح كل منهم بقدر ما ينتزع من حصة صاحبه، وما يأخذ من جهد منافسه في التجارة وكسب المال وزيادة الثراء من أي وجه أتى، والنجاح الحقيقي عنده هو أخذ حقه وحق غيره بشطارته أو واسطته، وهو يعد ما يقدم عليه عين التميز والنجاح فعالم رجال المال مملوء بالمغامرات والمشاحنات مثلما هي حالة عامة الناس.
والتنفيذيون يغرقون إلى آذانهم في المشاكل والاختلاف ويزعمون أنهم يعملون للصالح العام وأنهم بخدمة الناس ويسعون لسعادتهم وتخفيف متطلبات الحياة وتسهيلها لهم، بل لعل هؤلاء التنفيذيين والقائمين على المصالح الكبرى للوطن وأهله لا يجدون طعم الراحة ولذة النجاح إلا حين يملؤون وقتهم كله بالقضايا التي تبدأ ولا تنتهي.
ولا تكون سعادة كل منهم إلا حين يعالج العويص من المشاكل والمختلف فيه من الأشياء، يحل القليل منها ويعقد أكثرها حتى يعيشها واقعا في كل يوم من أيام عمله ويسره أن يرى الناس يحيطون به ويرجون مساعدته ويسعون لمجاملته ورضاه.
والذي ينسيه كل المشكلات هو الانتصار الرائع في زعمه الذي يحققه إذا استطاع تقديم شيء قليل مما يطلب الناس منه وأبقى على الكثير بين يديه أو خلفه لتستمر الدورة من جديد، أما القضاء على المشكلات والتخلص منها فليس ذلك من سياسته ولا من أولوياته فلو انتهت المشكلات وانتهت حاجة الناس إليه لما كان لوجوده سببا يبقيه ويبقي الناس حوله.
هذا النموذج من البيروقراطيين هو الظاهرة البارزة في التعامل الوظيفي عند أكثر المسؤولين في الجهاز الحكومي، ولهذا السبب نجد أن الدورة لأي عمل يتولاه المحافظون من البيروقراطيين تطول أكثر مما يجب ويترتب على طولها تعالق قضايا كثيرة مترتبة عليها حتى ينال الأذى كل الناس الذين تقع مصالحهم في قبضته.
وإذا سلمنا أن الحياة لا تخلو من مشكلات فلا بد أن نعرف الحيز الذي تحتله كل مشكلة ونضعها في حجمها الطبيعي وما يمكن أن يكون لها من أثر في تصرفات الذين تحل المشاكل بساحتهم سواء كان هؤلاء أفرادا أو جماعات.
وما يعانيه الناس هو تراكم المشاكل وتركها بلا حل حتى تكبر وتصعب حلولها وهذا هو الواقع عندنا، مشاكلنا يتأخر حلها وتكثر الاجتهادات حولها فتتأزم ويصبح المتضرر منها هم وسط الناس وعامتهم.
والمفروض أن نجعل لمشكلات الناس حلا تنتهي إليه أو أن نجعل لعتاة البيروقراطية حلا يخفف ما ترسب في أعماقهم من صور المماطلة والتعقيد ومحاربة المرونة والتسهيل.