جامعة جازان.. في ظل غياب الرقابة
الأحد، ١٥ نوفمبر ٢٠١٥
يروى أن جزيرة شبه معزولة كانت خاضعة لإرادة قائد أشرم، ولا يخاطبه سوى رئيس الحاشية ولكن (من وراء حجاب)! وذات يوم شاهده فجأة على حقيقته، فضرب بيده على فمه ساخرا يضحك منه، غضب القائد وأمر بقطع أنفه ثم عقبها أصدر أمرا بأن اقطعوا أنوف المواليد الجدد واجعلوا حالهم من حالنا، فلا يستطيع أحد أن يضحك علينا وفي كل دار أشرم.
مضى دهر وصار جميع سكان الجزيرة على نفس الوتيرة! وأضحى كل مولود يولد يقطع أنفه، ولم يعد أحد يعيب ذلك وصار أصلا ثابتا فيهم وما عداه منكر.
وفي عشي من العشايا هاجت عاصفة بالبحار القريبة ودلفت بقارب صيد إليهم..نزل الصياد ومضى باتجاه الجزيرة..فوصل إلى هؤلاء القوم وإذا كلهم مقطّعوا الأنوف! التفت إليهم والتفتوا إليه باستغراب! الصياد يشاهد قوما ما سبق أن شاهد مثلهم وهم كذلك، مضت دقائق ثم بعدها قام أصحاب الجزيرة وضربوا بأيديهم على أفواههم ساخرين يضحكون منه يقولون: شاهدوا! معه أنف ما أرذله وما أقبح شكله!يا ترى كيف لهذا الزائر المسكين أن يقنع أبناء هذه الجزيرة بأن ما عملوه في ذواتهم خطأ ومخالف لكل المقاييس الطبيعية والمسلمات البديهية؟ وكيف لنا أن نفهمهم بأن أهم مقياس للجمال والبهاء والأنفة هو ما قاموا بقطعه ورميه في النفايات؟ إن حالة جامعة جازان شبيهة بحالة هذه الجزيرة! انقلبت فيها بديهيات العمل الأكاديمي والمألوف الإداري؟ ولا يخطر بذهني أن أحدا منكم سيصدق أن طلاب الدراسات العليا في جازان هم من يرأس الدكاترة السعوديين ويتبوؤون المناصب الإدارية والأكاديمية! ولن يستوعب أكاديميو الجامعات الأخرى هول الصدمة عندما يعلمون أن مجلس كلية الحاسب بجامعة جازان كل رؤساء أقسامه الأعضاء طلاب دراسات عليا محاضرون، وأمين المجلس طالب معيد! أو أن مدير الإدارة كان بائع شعير في شركة صوامع الغلال؟ أو أن عميد كلية إدارة الأعمال تخصصه في واد وتخصصات العمادة التي يرأسها في واد آخر! أو أن طالبة بدرجة محاضر أصبحت بين ليلة وضحاها عميدة! ولكي لا يقال بأنني أرمي الكلام جزافا وعلى عواهنه فهذه عينة على سبيل المثال لا على سبيل الحصر لما سبق أن أشرت إليه: أقسام هندسة الشبكات ونظم المعلومات وعلوم الحاسب بكلية الحاسب والتربية الفنية بكلية التربية والعلوم الاجتماعية بكلية الآداب وقسم التمويل ومشرف خدمة المجتمع بكلية المجتمع، كل هذه المناصب يشغرها طلاب دراسات عليا بدرجة محاضر! وكلها مخالفة لنظام الخدمة المدنية والتعليم العالي! وليس هذا فقط بل إن بعضهم يرأس قسما ليس من تخصصه كقسم نظم المعلومات! وبعضهم لم يصدر له حتى الآن قرار بتكليفه أو تعيينه كقسم علوم الحاسب! لماذا كل هذا يحصل؟ هذا السؤال لن يجد أي عاقل جوابا له سوى أن الجامعة نحّت النظام، ولم تعد تجعله مرجعا متبعا في التعيينات داخل أروقتها.
إن تجاوز القانون آفة ميكروبية معدية تتفشى بين الأفراد حتى تصيب الكل وبالتالي يمرض المجتمع ويتهدد نسق سلوكه السليم المنتظم لأن القانون هو العرف الذي يميز به الصحيح من الخاطئ، وهو الخط الفاصل بين حياة الإنسان وحياة الحيوان، به تتحقق المآلات وتضبط الحقوق وتنظم المناشط وتعمر الديار، وما إن يزول هذا الفاصل المنظم حتى ينجرف المجتمع الإنساني بقضه وقضيضه إلى متاهات الغابة الحيوانية التي لا تعرف سوى البقاء للأقوى، القوي يعمل ما يحلو له ويتغذى على من هو أصغر منه، لا مراجع تنصف ولا نظام يضبط!ختاما: لا أعلم ماذا حل بتلك الجزيرة وأهلها وماذا كانت نهايتهم؟ ولكني أتمنى أن تتشابه النهايتان في الواقع كما تشابهت في المقال، وأن تهب عاصفة الحزم وتدلف بقارب من هيئة الرقابة ليطلع ويتأكد من أن أحد أهم مقاييس الحكم على أداء الدوائر الحكومية (الالتزام بالنظام) ما زال على طبيعته في جامعة جازان ولم يتم استئصاله ورميه بالأدراج.