من شواهد فقه الممكن والمتاح
الأربعاء، ١٢ فبراير ٢٠١٤
كنت قد ذكرت في الأسبوع الفائت أن الدعاة وطلبة العلم اليوم بحاجة ماسة إلى دورات مكثفة في تعلم فقه الممكن والمتاح، ولو أفضى ذلك إلى ترك بعض الواجبات في بعض الظروف، أو تقديم ما هو مرجوح على ما هو راجح، أو الصبر على بعض المنكرات والمخالفات الشرعية
وكنت قد شرحتُ موقف النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الحديبية، وكيف قَبِل ببعض شروط قريش المجحفة، لأنه كان ينظر إلى نتائجها البعيدة الطيبة، خاصة في ظل شُحِّ الموارد وقلة الخيارات
اليوم أريد أن أتمم أيضاً ببعض الشواهد، ومنها: تركه عليه الصلاة والسلام إقامة حدّ القتل على المنافقين الخائنين، رغم استحقاقهم لذلك، وتعليله ذلك بقوله: «لا يتحدث الناسُ أن محمّداً يَقْتُل أصحابه»، كما في صحيح البخاري ومسلم
يقول الإمام النووي ـ رحمه الله ـ في «شرح صحيح مسلم» ( 16:139 ) وهو يعدّد بعض فوائد هذا الحديث: «وفيه تَرك بعض الأُمور المختارة، والصَّبر على بعض المفاسد،خوفًا من أن تَتَرَتَّب على ذلكَ مَفسدة أَعظَم منهُ»
ومن الشواهد أيضاً موقف النبيّ صلى الله عليه وسلم من مسألة بناء الكعبة المشرفة، وكيف أنه كان يرى بناءها غير سَليم، وأن الأولى هدمها وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لكنه عليه السلام ترك ذلك خشية التشويش على الناس الذين اعتادوا البناء القديم
وكان يعلل ذلك بقوله للسيدة عائشة كما في «الصحيحين»: «لولا أن قومك حديثو عهد بإسلام، لهدمت الكعبة، ولبنيتها على قواعد إبراهيم»
وقد عقَد الإمام البخاريّ على هذا الموقف باباً يدلّ على عميق علمه وبعد نظره، فقال:»باب من تَرك بعضَ الاختيَار مخافةَ أَنْ يَقْصر فهم بعضِ النَّاسِ عنهُ فيقعُوا في أشدَّ منه»
وعلّق العلامة الكشميري في كتابه «فيض الباري» (1: 324) على تبويب البخاري هذا فقال:»يريدُ – البخاري - أنَّ العملَ بالمرجوح مع العلم بالراجح جائزٌ إذا كانت فيه مصلحة»
والآن وبعد عرض هذه النصوص الثابتة من السنّة والسيرة المطهرة يمكننا أن نتساءل: هل الدعاة وطلبة العلم اليوم على استعداد للعمل بالقول الضعيف وترك العمل بالقول القوي في سبيل جمع كلمة المسلمين وتخفيف الاحتقان الحاصل بينهم بسبب تصلّب كلّ فريقٍ عند رأيه...مجرّد سؤال؟