مشكلة الإسكان.. في فكر الإنسان!
الثلاثاء، ١٠ نوفمبر ٢٠١٥
صرح وزير الإسكان قائلا: «إن مشكلة الإسكان ليست مشكلة موارد ولا مشكلة أراضٍ، وإنما هي مشكلة فكر بالدرجة الأولى، وإذا استطعنا معالجة هذا الفكر استطعنا معالجة الإسكان بالكامل، وإذا لم نستطع معالجة هذا الفكر سندور، وندور، ولن نجد أية حلول، لا حالية، ولا مستقبلية»أثار التصريح استياء كثير من المستخدمين لمواقع التواصل الاجتماعي وبرامج الجوال الذين كانوا ما بين متعجبين ومتهكمين، حيث ردد الوزير كلمة «فكر» نحو 50 مرة خلال 15 دقيقة فقط!كان التصريح محبطا للغاية، بعدما كانت الآمال معلقة بحل المشكلة التي باتت تشكل أزمة.
وكانت استراتيجية الوزارة حين نشأتها هي الأرض والمال؛ وقد وجد المال حينها طريقه للمعالجة، حيث وجّه الملك عبدالله - يرحمه الله- بدعم الوزارة بمبلغ 250 مليارا لبناء 250 ألف وحدة سكنية، ولنا أن نتخيل هذا المبلغ والعدد الضخم، ثم توجيهات بتسليم وزارة الشؤون البلدية كل المِنَح لوزارة الإسكان، وبالفعل استلمت الأخيرة مساحات تصل إلى 200 مليون متر، عبارة عن مخططات سكنية لأراضٍ شاسعة في الكثير من مناطق ومحافظات المملكة؛ وآنذاك تفاءل المواطن واعتقد بأن أزمة السكن سيتم حلها عاجلا.
لكن يبدو أن هذا الملف لم يجد من يفكك أوراقة ويقوده للنور، مع أنه هاجس يؤرق نسبة كبيرة من مواطني هذه البلاد، فأزمة السكن ينبغي أن تأخذ في الاعتبار أمورا هي في غاية الأهمية، منها: أن هذه المشكلة لها حساسية قصوى فهناك تلازم عكسي بين توفر المساكن نوعية وعددا، وبين المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، وعليه فإن حل مشكلة الإسكان يعد مطلبا أساسيا لحل مشاكل أخرى، وفي تصوري أن صرف بدل سكن للمواطن السعودي سواء كان موظفا أو متقاعدا هو جزء من الحل إلى حين التملك.
إن للناس الحق في الرد على تلك التصريحات المتعلقة بأمر يعد من ضرورات الحياة؛ فقد نجحت دول أقل شأنا ومالا وأصغر مساحة في معالجة مشكلة السكن ووفرته لمواطنيها.
وإن لم تكن مشكلة الإسكان هي مشكلة موارد وأراضٍ فماذا عساها أن تكون؟وهنا لفتة فقبل أن يغير الناس فكرهم عن الإسكان ليت الوزارة تسهم بتغيير فكر الهوامير، الذين يسيطرون على مساحات شاسعة في طول البلاد وعرضها، ويحتكرونها ويغالون في سعرها، فتغيير الفكر هنا أجدى وأنفع.
كم كان المواطن يؤمّل في الحصول على السكن، فكل من تقدّم للحصول على سكن تلقى رسالة مفادها: «عزيزي المتقدم: أنت حاليا في قائمة الانتظار بينما يتوفر الدعم السكني المناسب، نشكر لكم انتظاركم»، وهكذا مكتوب منذ سنوات، وهذه الحالة سببت إحباطا وغضبا واسعا لدى الفئة التي بدأ صبرها ينفد من طول الانتظار والتأخر في توزيع الوحدات السكنية ومن الصمت والغموض الذي يكتنف ملف الإسكان في الوزارة، إذ لم تكن هناك شفافية أو جدول زمني معلن يحدد تسليم الوحدات السكنية في مناطق المملكة لمستحقيها، أو مبررات مقنعة تبين المعوقات أو التحديات التي تعترض مشاريع الإسكان، بل إن البعض يصنف وعود المسؤولين فيها بالتخدير، فقد أثبتوا عدم مقدرتهم على إدارة هذه الأزمة من خلال تغييب المنتجات السكنية التي تم الوعد بها.
ولعل من نافلة القول إن الفئة المستحقة للإسكان هم من ذوي الدخول المحدودة الذين يشكلون نسبة ليست باليسيرة لسكان المملكة، وما تم تخصيصه من ميزانيات يكفي لبناء مدن موازية للمدن الحالية؛ فالأراضي شاسعة والإمكانيات متوفرة، ومن هنا تزايدت علامات التعجب والاستفهام عن تأخير تسليم السكن لمستحقيه!أتفق مع الوزير تماما أنها مشكلة «فكر»، لكن وزارته تتحمل جزء منه؛ فالمفترض أن يأتوا بمبررات مقنعة للمتلقي، لا أن يُفتح باب من التهكم، فالجميع مقتنع بأنه متى ما توفرت الأرض والإمكانات وتم البناء فإن ذلك كفيل بحل مشكلة الإسكان سواء كان ذلك رأسيا أو أفقيا، وهو السبيل الأوحد بلا شك.
وقد صدرت موافقة وزارة البلدية على تعدد الأدوار في المدينة المنورة هذا الأسبوع، وهذا مقنع إلى حد كبير في حل جزئي لهذه الأزمة.
ويبقى التساؤل قائما: هل يكفي الفكر وحده في حل أزمة السكن في بلادنا؟ أرجو أن يراجع كل مسؤول تصريحه، وأن يحترم عقول المتلقّين.