فتاوى الغرائز وتداعيات الغلو والفوضى
الأربعاء، ١٢ فبراير ٢٠١٤
في فوضى الأحداث واختلاط المفاهيم والتباس الحق بالباطل والمحق بالمبطل، تظهر التداعيات الخطيرة بكل جوانبها الاجتماعية والسياسية والدينية والاقتصادية
وإذا كان أشد الأمور تماسكا في هذه الفوضى وأكثرها قداسة هو الدين، فإن دخول الفوضى عليه دليل واقع متدهور إلى غاية مرعبة، لأن كل الأمور بعد ذلك لن تأخذ أهمية بعد اقتحام المقدس عند الجماهير
فهل تعد ظاهرة الفتاوى الجديدة التي ظهرت في الأحداث الأخيرة في سوريا وغيرها من إشارات الفوضى الدينية كالفتاوى في استباحة الدماء والأموال وأخيرا الأعراض؟حينما يصدم العالم بفتوى جاهلية تدعو إلى قتل مسلم أو بريء أو تعلن الجهاد ضد دولة مسلمة، لا يستفيق العالم منها حتى يصبح على فتوى أخرى تجعل الحليم حيرانا
فبعد فتوى جهاد النكاح التي هي استباحة للدين والعرض وتبديل للشريعة وطعنة في قلب الإسلام
ظهرت فتوى بجواز اتخاذ المسلمات الحرائر جواري مقابل الطعام والمسكن
وقد ظهرت أيام الأحداث في البوسنة فتاوى من بعض هؤلاء الدخلاء تبيح الزنا بنساء العدو وكنا أيامها نسمع بها همسا لا إعلانا خوفا من الفضيحة، وكان بعض طلبة العلم كما يسمون أنفسهم وينتسبون إلى علماء مشهورين، يذهبون إلى مناطق الكوارث ليتزوجوا بنية الطلاق، ويستخدمون المال لإغراء الناس استغلالا لظروفهم ويتزوجون بناتهم بنية الطلاق ثم يستمتع أحدهم بالفتاة أياما ثم يهرب عائدا وقد طلقها فيما بينه وبينها
وهذا النوع من الزواج يمارسه الآن عدد من المنتسبين للدين داخل بلادنا مع بنات المقيمين الفقراء تحت إغراء المال، وقد فاحت رائحة هؤلاء المتمشيخين وبات أمرهم مكشوفا عند عامة الناس، وبعض هؤلاء يلجأ إلى إجهاض مطلقته «المستمتع بها» كي لا تورطه بذرية وتربط نفسها به وهي أقل قدرا من ذلك في نظره
إن هذه الممارسات تعد من أبواب الانحلال والتي توضع تحت عناوين فقهية ودينية ليمارسها بعض المرضى والذين زهدوا في منهج الإسلام والتعدد المباح ليكتفوا بالمتعة الجنسية عن القيام بأي مسؤولية تجاه الفتيات الضحايا، مرة باسم الجهاد ومرة باسم الرحمة ومرة باسم الفقه ومرة باسم إغاظة الكفار، إنها فتاوى الغرائز يستغلها أدعياء الحق والعلم دون رقيب أو حسيب
وليس المهم الرد على هؤلاء علميا فالأمر أعظم من ذلك، إنه البحث وراء الأسباب التي أظهرت هذا النوع من المحاربين لله باسم الدين والجهاد والعلم
هل النزعات والحالات النفسية لها أثر حقيقي على مصدري هذه الفتاوى وممارسيها؟أم أن المشكلة قادمة من طريقة التفكير وضعف المفاهيم وقلة البضاعة العلمية؟من وجهة نظري أن الأمرين لهما أثر كبير في القضية
ولكن الأخطر من ذلك أن هذه الفتاوى كانت الأشد تحريما لكثير من المباحات في شأن المرأة، فمن أين جاء التناقض والالتباس الذي جعل الناس تعرض عن كثير من المتدينين وترفض مواعظهم وتكتفي بالشعائر الظاهرة دون أخلاق الإسلام الكاملة؟هذه القضية تنبهنا إلى قضية كبرى علينا الحذر منها، وهي أن الصوت العالي باسم الدين لا يعني الحق دائما، وأن التشدد في القضايا والفتاوى ليس عليه الارتكاز في الوصول إلى حقيقة الشريعة، وأن المتشددين أكثر الناس انسلاخا عن مبادئهم، وأن الغلو في فهم الحقائق يحدث أفعالا عكسية تظهر على سلوك أهله وممارساتهم
لذلك وجدنا المغالين في حرب الاختلاط حتى في المساجد والحرمين أسرع نزوعا إلى الفتاوى الجنسية
ووجدنا المغالين في محاربة البنوك قديما هم أكثر الناس تلاعبا بالفتاوى المالية وجمع الأرصدة، ووجدنا المغالين في فتاوى الدماء أكثر الناس تعظيما لأنفسهم ودمائهم ومكاسبهم إلى درجة القداسة، ومن ينتقدهم يعد في دائرة من ينتقد الإسلام
لذلك ينبغي علينا أن لا نستبعد أن هذه الفتاوى الجنسية الغريزية سببها الغلو في قضية المرأة ومحاولة التعديل على منهج الله على غرار قول الخارجي للنبي صلى الله عليه وسلم (اعدل يا محمد)، مما أدى إلى الشبق الغريزي والبحث عن إشباعه بأي طريقة تحفظ ماء الوجه، حتى وإن اضطروا إلى ضرب الشريعة بعضها ببعض، وهي حالة نفسية تحتاج إلى حجر على أصحابها لأنهم باتوا خطرا على الإسلام والمسلمين