تداعيات زيارة النجيفي لأنقرة تطارده بالموصل

من المبكر جدا أن نعرف ما إذا كانت المحاولة الجديدة لاغتيال رئيس مجلس النواب العراقي أسامة النجيفي على مشارف الموصل أمس الأول، لها علاقة مباشرة بتحركاته الإقليمية ومواقفه التصعيدية الأخيرة التي أطلقها من أنقرة الأسبوع الماضي ضد القاعدة وداعش، حيث دعا لإخراجهما من الفلوجة والرمادي والتمييز بينهما والنضال المشروع لأبناء المناطق هناك لحماية حقوقهم السياسية والمعيشية
لكن المؤكد أن النجيفي لن يتخلى بمثل هذه السهولة عن جولته التي قد تشمل طهران والرياض أيضا، في إطار محاولة لكسب دعم دول المنطقة في وضع حل للأزمة العراقية الداخلية المتفاعلة
ومع أن النجيفي قال علنا إن هدف الزيارة الأول هو تطبيع العلاقات العراقية – التركية، مشيرا لتقدم ملحوظ في القراءات وتقريب وجهات النظر بهذا الشأن، فإن أنقرة تريد تسجيل تقدم حقيقي على الأرض بعد زيارة الرئيس التركي غل الأخيرة للعراق الذي وضع حدا لتجاهل رؤساء جمهوريتها لبغداد استمر لأكثر من 30 عاما، لكنه لم ينجح في حل عديد من المشاكل وتباعد المواقف التي تهدد العلاقات بين البلدين
ملفات كثيرة أخذت مكانها على طاولة النقاش الذي أجراه الضيف العراقي مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان، ووزير خارجيته أحمد داود أوغلو، يتقدمها العلاقات الثنائية المتراجعة ومسائل الطاقة، والقضية السورية، والوضع المتأزم في المدن السنية العراقية
لكن الذي طرح أيضا كان تذكر أكثر من مواجهة كلامية بين إردوغان والمالكي تحولت إلى القشة التي هددت دبلوماسية تصفير المشكلات مع بغداد، والتخلي عن كثير من العقود والاتفاقيات، والتنسيق الأمني، وحل الأزمات أمام طاولة الحوار
المالكي نفسه حذر أنقرة على المكشوف بقوله، إن بلاده قادرة على لعب أوراق مماثلة في تركيا نفسها إذا ما استمرّت في سياسة التدخل في شؤون بلاده على هذا النحو
لكن حكومة إردوغان تصر على أنه في مقدمة الأسباب التي تقود إلى توتر العلاقات بين إردوغان والمالكي ووصولها إلى هذه النقطة يأتي الموقف الأخير لرئيس الوزراء العراقي حيال الأزمة السورية الداعم للرئيس الأسد، وفتح تركيا الأبواب على مصراعيها أمام الزعيم السنّي، ونائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي، وعدم ترددها في استضافة رئيس البرلمان العراقي النجيفي أكثر من مرة، وتنسيقها المتزايد مع القوى الكردية في شمال العراق، وتحديدا أجواء ما بعد زيارة بارزاني الأخيرة لأنقرة، وتوفيرها الدعم للقوى التركمانية هناك
حديث في الإعلام التركي تناول نقل النجيفي إلى أنقرة رغبة جديدة للمالكي بتحسين علاقات بلديهما، وهو في هذا الإطار طلب من النجيفي التوجه نحو تركيا في مسعى إقليمي لتحقيق هدفين، الأول محاولة تقريب مواقف دول المنطقة من الأزمة السورية وأمن المنطقة، والثاني تحسين العلاقات العراقية التركية
مصادر الخارجية التركية علقت على الزيارة بشقها الأمني والسياسي العراقي الداخلي قائلة إنها تندرج في إطار تحليل قدمه النجيفي للقيادات التركية، وطالب بتأييدها في التفريق بين الجماعات الإرهابية التي تحاول أن تسيطر على الموقف في الأنبار، وبين العشائر ومشاكلها العادلة التي تتطلب توحيد المواقف وتنسيق الجهود للمساعدة على حلها
النجيفي ربما جاء يروج لمشروعه القديم الجديد استقلالية المحافظات السنية العراقية في محافظة الأنبار، على الطريقة الكردية في شمال العراق، وهو مثار نقاش وخلاف بين القيادات السنية العراقية نفسها، أي تحذر من أن يتحول الاقتراح لخطوة جديدة على طريق تقسيم العراق الفيدرالي وتحويله إلى كونفدرالية هزيلة مفككة
لكن القيادي العراقي يعرف هنا موقف حكومة إردوغان السلبي من مشروع بهذا الاتجاه ببعده الكردي للمسألة، والذي قد يتحول لنموذج مشجع لأكراد دول الجوار العراقي، وتحديدا على ضوء المشهد القائم اليوم في شمال سوريا للمطالبة بالحكم الذاتي أو تغيير الصيغة الدستورية السياسية لهذه البلدان
النجيفي طالب الأتراك أيضا بالمساعدة على معالجة الجرحى والمصابين من محافظة الأنبار، بالتنسيق مع وزارة الصحة العراقية، والتي تتطلب إصابتهم تدخلا جراحيا وعلاجا سريعا في المستشفيات التركية الناشطة في هذا الحقل، ورحب بطلبه هذا في إطار البعد الإنساني الذي لا بد أن يتقدم على المصالح السياسية كما تقول مصادر الخارجية التركية
أما في موضوع الطاقة والنفط العراقي الذي تحتاجه أنقرة، فالتركيز كان على تعاون ثلاثي بين أنقرة وبغداد وأربيل، وأنه وبناء على رغبة النجيفي الإسراع في حل مشكلة العقود النفطية للأطراف الثلاثة بأسرع ما يمكن بسبب سلبيات تأخير هذه الاتفاقيات على الداخل العراقي وتحديدا إقرار الموازنة العامة للعراق
وهنا كررت أنقرة موقفها المعروف حول أنها ليست طرفا في أي خلاف عراقي ـ عراقي حول تقاسم الثروات النفطية واستغلالها، وأن التفاهم بين بغداد وإقليم شمال العراق يعتبر من مصلحتها الأولى لأنها تريد تحسين علاقاتها مع الجانبين بأسرع ما يكون
مهمة النجيفي لم تكن سهلة إذا ما عدنا إلى السجال السياسي والاتهامات المتبادلة بين المالكي وإردوغان، فالأول اتهم أنقرة بالتحريض وتأجيج الطائفية والمذهبية والعدائية، وجاءه الرد الفوري والقوي من قبل إردوغان يحذر فيه من تمركز المذهبية بالعراق، ومن أن الإدارة السياسية بدل أن تقطع الطريق على هذا الكابوس تتبنّى سياسة تساهم في تعميمه وترسخه
هذا إذا لم نتوقف مطولا عند كلام لوزير الدفاع العراقي الدليمي قال فيه “ما زالت أنقرة تتصور أن محافظة الأنبار أو مدينتي الموصل وسامراء تشكل امتدادا للسلطنة العثمانية، رغم أن هذه المناطق تحررت منذ زمن طويل”
المصالح بين البلدين لا يمكن أن تحتسب بناء على الأرقام التجارية التي تتزايد في العلاقة بين أنقرة وأربيل، فبغداد أيضا لها موقعها ونفوذها وثقلها الذي لا يمكن تجاهله على رقعة شطرنج المنطقة، كما يقول العديد من الكتاب والمحللين الأتراك اليوم