اقتراح إلى معالي وزير التعليم
الاثنين، ٩ نوفمبر ٢٠١٥
مع ثورة الاتصالات الرقمية وما وفرته من تسهيل وسرعة في عمليات التواصل والوصول إلى مصادر المعلومات، ومع ما تحمله هذه الثورة من نتائج ذات آثار إيجابية على الفرد والمجتمع إذا تم استغلال وسائل الاتصال والتقنية الحديثة على الوجه الأمثل، فإن آثارها السلبية تبرز مع التمرد على القواعد الأخلاقية والضوابط القانونية والمبادئ الأساسية التي تنظم شؤون الحياة الإنسانية.
فإذا كنا سابقا نستطيع معرفة اهتمامات أبنائنا ومراقبة علاقاتهم بالآخرين، فقد أصبحوا الآن يتواصلون مع مجهولين رقميين يشكلون خطرا محتملا قويا.
أصبح من شبه المستحيل مراقبة كل ما يشاهدونه من صفحات ومن يتصلون بهم من أشخاص مع انتشار الأجهزة اللوحية والكفية والهواتف الذكية المحمولة، خصوصا إذا استحضرنا أن الدراسات العلمية أثبتت أن معدل استخدام الأطفال والمراهقين لهذه الأجهزة قد يصل إلى ثماني ساعات يوميا، أي أكثر من الساعات التي يقضونها مع آبائهم وأمهاتهم ومعلميهم، إنها إذن بحق أقوى ما يؤثر في أبنائنا، ويبقى لنا أن نختار إما أن يكون هذا التأثير بالسلب حين لا نهتم ولا نوجه أبناءنا، أو بالإيجاب حين نعلمهم قواعد الاستخدام ونوجههم ونحميهم من الأخطار، لذا فنحن في أمس الحاجة إلى سياسة وقائية تحفيزية ضد أخطار التكنولوجيا مع الاستفادة المثلى من إيجابياتها.
والسؤال هنا: هل هناك طرق وقائية ضد أخطار التكنولوجيا سبقتنا إليها شعوب متقدمة يمكن تطبيقها على مجتمعنا؟نحن لا نريد أن نتحدث عن سياسة جديدة يجب أن نكتب سطورها لأول مرة ولم يسبقنا إليها أحد، بل نتحدث عما يسمى في دول العالم المتقدم بمفهوم «المواطنة الرقمية».
هناك دول متقدمة عديدة مثل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا تدرس لطلابها مواضيع خاصة بالمواطنة الرقمية، في إطار منهج التربية الرقمية.
أيضا المشروع الذي وضعته أستراليا تحت شعار «الاتصال بثقة: تطوير مستقبل أستراليا الرقمي» والذي ينص على تعميم تدريس المواطنة الرقمية للطلاب مع تدريب الآباء والمعلمين عليها وفق خطة وطنية متكاملة.
مشكلة كثير من الآباء والأمهات أنهم يجهلون غالبية التطبيقات الرقمية التي يستخدمها أبناؤهم، وبالتالي سيستعصي عليهم مراقبتهم وتثقيفهم حيالها، مما يتيح لأطفالهم تمرير معلومات خاطئة لآبائهم عن طريقة استخدامهم لها.
مشروع المواطنة الرقمية باختصار هي توجيه وحماية، توجيه نحو منافع التقنيات الحديثة، وحماية من أخطارها.
وبالمناسبة التعامل الذكي مع التكنولوجيا لا ينبغي أن نفهم منه أنه يهدف إلى نصب الحدود والعراقيل من أجل التحكم والمراقبة.
فالمواطنة الرقمية إنما تهدف إلى إيجاد الطريق الصحيح لتوجيه وحماية جميع المستخدمين، خصوصا الأطفال والمراهقين منهم، وذلك بتشجيع السلوكيات المرغوبة ومحاربة السلوكيات المنبوذة في التعاملات الرقمية، من أجل مواطن رقمي يحب وطنه ويجتهد من أجل تقدمه.
ونستطيع تعريف المواطنة الرقمية كذلك بأنها قواعد السلوك المعتمدة في استخدامات التكنولوجيا المتعددة، مثل استخدامها من أجل التبادل الالكتروني للمعلومات، والمشاركة الالكترونية الكاملة في المجتمع، وشراء وبيع البضائع عن طريق الانترنت، وغير ذلك.
إن مفهوم المواطنة الرقمية له علاقة قوية بمنظومة التعليم، لأنها الكفيلة بمساعدة المعلمين والتربويين عموما وأولياء الأمور لفهم ما يجب على الطلاب معرفته من أجل استخدام التكنولوجيا بشكل مناسب.
والمواطنة الرقمية هي أكثر من مجرد أداة تعليمية، بل هي وسيلة لإعداد الطلاب للانخراط الكامل في المجتمع والمشاركة الفاعلة في خدمة مصالح الوطن عموما وفي المجال الرقمي خصوصا، ولا شك أن نشر ثقافة المواطنة الرقمية في البيت بين أفراد الأسرة وفي المدرسة بين صفوف الطلاب أصبح ضرورة ملحة، يجب أن تتحول إلى برامج ومشاريع في مدارسنا وجامعاتنا بالموازاة مع مبادرات المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية، حتى نتمكن فعلا من تعزيز حماية مجتمعاتنا من الآثار السلبية المتزايدة للتكنولوجيا مع تعزيز الاستفادة المثلى منها للمساهمة في تنمية مجتمع المعرفة وبناء الاقتصاد.
ومن هنا أتوجه باقتراح إلى معالي وزير التربية والتعليم الدكتور عزام الدخيل بتوجيه إحدى إداراته بدراسة أحد المشاريع سالفة الذكر والبحث في إمكانية تطبيقه، وإن كنت أميل إلى التجربة الأسترالية المميزة أكثر من التجارب الأخرى.