قراءة في تنظيم مجلس هيئة توليد الوظائف

إنشاء المزيد من الأجهزة الحكومية والهيئات ليس هدفا بحد ذاته، بل حاجة يفرضها الواقع، ووسائل لتحقيق غايات عظمى، وإلا فلا حاجة لمزيد من المصروفات والنفقات التي تزيد أعباء المالية العامة.
وعندما لا تحقق هذه الهيئات الغايات التي أنشئت من أجلها خلال فترات زمنية محددة ومجدولة، أُعدت مسبقا لتقييم جدوى إنشائها من عدمها، علينا أن نعيد هيكلتها مرة أخرى أو إلغاؤها.
فإلغاء وزارات ومؤسسات وهيئات بالكامل، أو إعادة هيكلتها أو دمجها مع وزارات أو هيئات مشابهة تؤدي نفس الدور أو الوظيفة منعا للازدواجية وتداخل وتدافع الاختصاصات ليس عيبا إداريا، بل إحدى علامات النجاح الإداري، لأن فقدان التكامل مع الجهات الأخرى يقلل فعالية عمل تلك المنظمات، وفرص نجاحها في تحقيق أهدافها.
وبالعودة إلى إنشاء هيئة توليد الوظائف ومكافحة البطالة التي صدرت الموافقة عليها الشهر الماضي للعمل على توليد الوظائف من خلال التنسيق بين جميع الجهات الحكومية والخاصة ذات العلاقة بسوق العمل، نجد أن تزايد نسب البطالة، وفشل الجهود الفردية التي تبذلها وزارة العمل في الحد منها فرضا إنشاء هذه الهيئة.
ولذلك حاولت الهيئة تلافي سلبيات الجهود الفردية التي تقوم بها بعض الجهات، وعمدت إلى إنشاء مجلس لإدارة الهيئة يتكون من محافظ للهيئة و13 جهة حكومية و3 أعضاء من القطاع الخاص من المهتمين بتوليد الوظائف ومكافحة البطالة وسيعينون بقرار من مجلس الوزراء وتكون عضويتهم لمدة ثلاث سنوات.
ووفقا لهذا التنظيم فإن 13 عضوا سيمثلون الوزارات المعنية بالسياسات المتعلقة بالتوظيف والاقتصاد والاستثمار، تشمل وزارات المالية، الاقتصاد والتخطيط، العمل، التعليم، الصحة، التجارة والصناعة، هيئة المدن الاقتصادية، الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية، والهيئة العامة للاستثمار، وممثلين من المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، والمؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، وصندوق تنمية الموارد البشرية، إضافة إلى رئيس مجلس الغرف التجارية السعودية.
واشترط تنظيم الهيئة ألا تقل مرتبة العضو من ممثلي الجهات الحكومية عن المرتبة الخامسة عشرة أو ما يعادلها، وهذا يعني أن العضو المشارك لا تقل مرتبته عن وكيل وزارة أو مدير عام في بعض الجهات حسب الهيكل الإداري للجهة، وهذا يضمن فاعلية العضو المشارك بحكم المنصب والخبرة، والرؤية التي يمتلكها حول أداء جهته، ودورها في القرار المتخذ، وأنه في مركز يسمح له أو يفوضه باتخاذ قرار دون الحاجة إلى الرجوع إلى جهته وأخذ الموافقة منها، وبذلك نتجاوز سلبيات اللجان التقليدية التي يضطر فيها الموظف إلى الرجوع إلى جهة عمله لأخذ موافقتها للتوقيع على محاضر اجتماع اللجان الدورية.
كما يلاحظ أن مجلس إدارة الهيئة يضم الوزارات ذات الثقل المالي والاقتصادي والاستثماري، وهي وزارات المالية، الاقتصاد والتخطيط، العمل، التجارة والصناعة، الهيئة للاستثمار، هيئة المدن الاقتصادية ولا يعني هذا تقليل أو تجاهل دور باقي الجهات، ولكن يعني أن الجهات المؤثرة في رسم السياسات المالية والاقتصادية وسياسات الاستثمار ستكون حاضرة في كل شاردة وواردة من اجتماعات المجلس، وبالتالي ستكون رؤيتها حول السياسات الحالية والمستقبلية حاضرة، وستكون مشاركة في القرارات التي ستتخذها هيئة توليد الوظائف، وأن سياساتها المالية والاقتصادية والاستثمارية المستقبلية يجب أن تتناغم مع هذه القرارات وأن تتكامل معها، وبالتالي تغيير سياساتها واستراتيجيتها بما يضمن تحقيق أهداف هذه الهيئة.
وكما أن مشاركة التعليم، والمؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، وصندوق تنمية الموارد البشرية في مجلس الهيئة ستسهم في هيكلة المسار التعليمي بشقيه العام والمهني، وإعادة هيكلتهما، وإعادة تدريب وتأهيل الشباب في تخصصات مناسبة يحتاجها سوق العمل بناء على رؤية واقعية لسوق العمل واحتياجه المستقبلي.
خلاصة القول إن هذا التنظيم يمكننا من تجاوز أخطاء الماضي المتعلقة بالسياسات المنفردة، ويضمن تكامل السياسات الاقتصادية والمالية والتعليمية والاستثمارية، كما أنه يمكن الهيئة من بناء رؤيتها حول سوق العمل والاحتياجات المستقبلية على معلومات متكاملة، ووضع خطط طويلة المدى لمدة عشرين سنة قادمة تكون أكثر واقعية، بعيدا عن التدافع بين الجهات، وإلقاء اللائمة على جهات معينة دون أخرى.