الحياة العلمية بالجموم في القرنين التاسع والعاشر

كنا قد تلمسنا في حلقة ماضية تاريخ الحياة العلمية بالجموم خلال القرنين التاسع والعاشر إجمالا، وسوف نتعرف اليوم على بعض المراكز العلمية، ونشير إلى بعض المراكز الثقافية بالجموم، والتي ظلت بسيطة جدا في دورها ولم تنهض بعبء علمي يؤهلها لأن تكون في مصاف المراكز التي كانت عليها مدارس وأربطة مكة وزواياها ولكنها قدمت شيئا وإن كان يسيرا، ومنها: 1- مسجد الفتح الواقع شمال الجموم وهو اليوم يتوسط أحياء واسعة، وهو المكان الذي يرجح أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيه عام الفتح ومن هنا اكتسب أهميته، وأول من ذكره بوضوح إبراهيم بن إسحق الحربي المتوفى سنة 285 هـ في المناسك، ولكنه كان يتعرض للخراب والهدم نتيجة الإهمال سنوات طويلة، ويعاد تعميره بموجب تبرعات السلاطين ونحوهم وقد جدد بناؤه مرات عدة حتى وصل لمرحلته الحالية في عام 1398هـ بموجب ثبت المكتوب، وفي عام 1365هـ أثناء أزمة الجموم الخانقة بسبب الحرب العالمية الثانية كان خرابا ويهابه الناس ظنا بوحشته وأن الجن تسكنه، مما يدل على أنه كان داثرا منذ سنوات طويلة، وبجواره مقبرة إسلامية واسعة جدا (أثارت انتباهي كثيرا) فمن الممكن أن الناس كانت تتبرك بهذا المكان وتخصه بدفن موتاها، ولكن لم أعثر على شواهد قبور مكتوبة تدعم ما ارتأيت إليه، حيث حاولت تلمس بعضها قبل تسويره، ولعلها سلبت أو أتلفت إذ يستحيل أن لا توجد شواهد قبور في عصر ازدهرت فيه هذه الظاهرة وبرز لها نشطاء وحرفيون تفننوا في صياغة الشواهد.
وهو المعني بما تسميه العامة (القصير) تصغير قصر، حيث يعدونه قصرا وليس مسجدا لجهلهم به، وهذا دارج في عامة الناس هناك أنهم يصفون أي بناء مستقل وثابت بالقصر خاصة عند تبييضه، وظل في القرون الماضية إبان فترة عمارته مزارا يؤمه المصلون والمسافرون بين مكة والمدينة المنورة كونه البناء الوحيد في تلك الناحية ويتخذه بعض الشيوخ مركزا لإدارة مصالح الناس، ولكن لم تقدم كتب التراجم لأحد منهم سوى عودة بن مسعود بن جامع اللحياني المتوفى عام 983 هـ الذي زاره الهاشمي في هذا المسجد، وقد ذكر بعض القصص، وقد تولى مسعود هذا مشيخة الببثني وأبي عروة خلال القرن العاشر وقد وصفه بالصلاح وترجم له السخاوي في الضوء، وقد تولى أيضا إدارة تلك الناحية بموجب تقاليد المشيخة الدينية السائدة آنذاك.
ونحن لا نستبعد أن طلابا من تلك النواحي قد تلقوا بعض الدروس الدينية اليسيرة بحكم التقاليد التي كانت ترى في المساجد قدرتها على أن يتعلم بها الصبية قراءة القرآن ونحو ذلك من الدروس الحسابية خاصة حساب الجمّل.
ولو أن مسجد الفتح هذا لوحده تمت تهيئته لقدم نماذج علمية مشرقة كونه يتوسط قرى الجموم مع أنه متسع وملائم تماما لفتح مدرسة تقدم مختلف العلوم، ومشابه للنمط المعمول به في مدارس بغداد الشهيرة ودمشق وصنعاء ولكنه ظل بعيدا عن فكرة المدرسة المنظمة.
2- مسجد الجموم: ويأتي بعد مسجد الفتح من حيث الأهمية، ويعد في مقدمة المراكز الثقافية وبه كانت بعض المجالس العلمية وفق تضمينات ابن فهد الهاشمي، وظل واسع التأثير في المجال الثقافي وملتقى للمثقفين على كل المستويات الدينية والأدبية.
(وقد أشرنا سابقا لمثل هذه المطارحات الشعرية).
ويقع المسجد بجوار عين الجموم الواقعة في جنوب المحافظة اليوم، ويعد فيما ما مضى وسط الجموم تماما وحوله أسواق عامرة وهو من أهم المباني التاريخية التي رأيتها وتمثل العمارة العثمانية المبكرة خاصة القبب التي كانت تسقف المسجد، ويبلغ سمك الجدران نحو 100 سم مجصصة بالنورة تجصيصا سميكا جدا، ولم يبق منها سوى القليل وآخر زيارة لي رأيته فيها عام 1427هـ ولا علم لي بمصيره.
بني هذا المسجد منتصف القرن التاسع وفق ما ذكره الهاشمي بقوله: (وقد بنى وزير صاحب مكة للقائد بديد بن رزق بن شكر الحسني، عند رأس عينها مسجدا عظيما مبيضا بالنورة، وكان ذلك منتصف القرن التاسع في محطة الحاج المصري ذهابا وإيابا).
المخطوطة.
ومن العجيب أن هناك أبياتا كانت تكتب على جدران هذا المسجد، ويأتي من يرد عليها وهكذا، وهو ما ذكره الهاشمي في حسن القرى، فكيف كانت تكتب وبأي مداد؟ وهذا يدل على مدى التأثير الذي يحظى به المسجد عند الشعراء.
ويعد موقعه واسطة العقد بين مكة وهدأة بني جابر التي يستروح بها كثيرا أهل الثراء بمكة، وهذا دافع بلا شك قوي جدا.
3- مجالس الأصائل: وهي مجموعة البساتين والعروش الشجرية التي امتلكها الأثرياء من أهل مكة والوزراء بالجموم وما حولها، وكانت تسمى هكذا بالأصائل ومن أسمائها مغيضة والبقيبة، ومن أشهر من امتلكها جمال الدين محمد بن بركات بن حسن بن عجلان ومحمد أبو نمي، حيث يذهبون لها أثناء الصيف للتبرد مع حاشيتهم وفيها تعقد بعض المجالس الثقافية وخاصة الأدبية بحكم مجالس الترفيه التي تضمهم، وأحيانا تسمى البرك ويقصد بها المساحة البستانية الزراعية، وفي أفيائها يعقد الملاك جلساتهم العلمية، وقد اهتم بها جار الله بن فهد كثيرا وطالما أشار لها في مؤلفاته، وقد اعتاد الأثرياء والقادة أن يصطحبوا معهم نشاطهم الفقهي والدروس الدينية أثناء إقامتهم بالجموم وعادة ما تكون إبان الصيف.