(الرسالة) ومصطفى العقاد!

منذ زمن بعيد وأنا أتوق للكتابة عن فيلم (الرسالة) للراحل مصطفى العقاد، لكن سيف كتابتي ظل في غمده، وغدا مداده كامنا، حتى اقتنصت عيناي قبل أيام، عنوان مقالة الكاتب المبدع الأخ محمد السحيمي فقرأت عنوان مقالته (مصطفى العقاد) فإذا بما كان مسجونا في النفس ينفجر كلمات خطها القلم مدادا انفلت من عقاله ليردني أكثر من أربعين عاما للوراء، وبالتحديد لعام 1976م، عندما كنت في لندن بصحبة رفيقة عمري زوجتي، وبينما كنا نرتقي السلم المتحرك خروجا من (مترو أنفاق لندن، الأندرقراوند UNDERGROUND ) في محطة البيكاديلي، إذ بنا نفاجأ بإعلانات فيلم (الرسالة) لمصطفى العقاد رحمه الله، وكان يطلق عليه قبل ذلك (محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فقررنا أن ننطلق لمشاهدة الفيلم بنسختيه العربية والإنجليزية، وعند وصولنا القاعة التي عرضت فيها النسخة الإنجليزية (بطولة أنتوني كوين) فوجئنا بالاستقبال الرائع عند المدخل كما شاهدنا شخصيات المجتمع اللندني التي توافدت لمشاهدة الفيلم...ومنذ أن بدأ العرض الذي استمر زهاء ثلاث ساعات وحتى نهاية الفيلم، وجدنا أنفسنا قد تسمرنا في مقاعدنا مشدوهين ومشدودين لرائعة مصطفى العقاد التي عكست لنا وللعالم عظمة الإسلام ورقي رسالته وتعاليمه السمحة...ثم انطلقنا لمشاهدة النسخة العربية التي أبدع فيها الفنان الراحل عبدالله غيث ومنى واصف ومحمود سعيد وغيرهم فكانت بحق عملا راقيا وفيلما عالميا لا يجارى...لكن وبعد مرور فترة من عرض الفيلم حدثت المفاجأة التي لم تكن متوقعة، والتي صدمتنا بعنف، فقد تحول الفيلم إلى قضية نتج عنها أحداث دموية خارجة عن نطاق الحضارة والتحضر! فقد هاجمت جماعات متطرفة دور العرض رافضة عرض الفيلم وتناوئه، مما شوه صورة المسلمين وعطل استمرار عرض الفيلم في كثير من دور السينما.
ولا زلنا نعاني من هذه الجماعات المارقة التي لا تعرف من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه! إن فيلم الرسالة يعتبر من الأفلام الطويلة التي أنتجتها استوديوهات هوليود، ويعتبر من روائع السينما العالمية، مما شجع ودفع مصطفى العقاد لأن ينتج رائعته الثانية (أسد الصحراء...عمر المختار).
وفي رأيي المتواضع، فإن مصطفى العقاد رحمه الله سبق عصره واستطاع أن يمتطي جواد فروسية العالمية، وبارز في ميادينها التي تعج بعمالقة السينما ونجح في تخطي كثير من المنتجين والمخرجين آنذاك.
ومن جهة أخرى، فإنني عندما أريد أن أنتقل إلى آفاق فجر الإسلام الأولى، وأعيش أجواء مفعمة بالإيمان، فإنني أسارع لمشاهدة فيلم الرسالة، فما إن يبدأ الفيلم حتى يتملكني شعور قوي يجذبني لجذوري الإسلامية، ويضعني أمام مسؤوليات كبيرة تشدني للدعوة إلى الله، التي من خلالها يمكننا أن نوصل رسالة الإسلام للبشرية، التي تعاني من خواء روحي وتبحث عن بصيص أمل يعيد إليها آدميتها وإنسانيتها، والتي لن تجدها إلا في الإسلام...الإسلام الصافي من الشوائب، الذي أفسدت صورته ممارسات أبنائه في عصرنا الحاضر، كما شوه ملامحه ما يلصقه به أعداؤها.
ومن الصدف العجيبة التي واجهتني قبل أسابيع قليلة أنني في أقل من أسبوعين شاهدت فيلم الرسالة مرتين، كانت الأولى عند عودتي من إندونيسيا في موسم الحج الماضي، حيث كان الفيلم من ضمن الأفلام المعروضة على خطوط طيران الاتحاد، فما كان مني إلا أن استرخيت وشاهدت الفيلم، والثانية عندما ناداني أحفادي لرؤيته في أول أيام العام الهجري 1437هـ، عندما كانت إحدى القنوات الفضائية تعرضه، فذرفت الأعين دموع الحب والإعجاب والاحترام والتقدير والشكر لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم الذي ضحى وجاهد هو وأصحابه الكرام رضي الله عنهم من أجل أن يوصلوا الإسلام لنا وللبشرية أجمع، هدفهم أن تغشى الرحمة البشرية وأن ينعم العالم بالأمن والأمان وأن ينتشر السلم والسلام، وأن يكون الدين كله لله، وليعلم العالم أن رسالة الإسلام رسالة دين وعلم وتطور وحضارة تنشد السلام لا الحرب والأمن لا القتل والأمان لا الإرهاب.
رحم الله مصطفى العقاد الذي حمل بين جنبيه قلبا يخفق بحب الإسلام وحب تعريف العالم بالإسلام...فقد تملكته رغبة جامحة في إنتاج روائع أخرى مثل (صلاح الدين) و(الأندلس)، فذهب يستجدي ويبحث عن ممولين لإنتاج هذه الأفلام لكنه صدم بعدم مبالاة أثرياء العالم الإسلامي به، وتوفي قبل أن يحقق أحلامه، لكن يكفيه أنه ترك رائعته العظيمة (الرسالة) التي يتسابق كثير من المسلمين لمشاهدتها.
لقد مضى وقت طويل منذ ظهور فيلم الرسالة، أفلا تستيقظ الأمة لتلد لنا مولودا جديدا اسمه مصطفى العقاد يعيد لها روائع الفن السابق، ويحمل همها الإعلامي، ويأخذ بدفة القيادة من (مصطفى العقاد الأول)؟ هل سنرى قريبا من يتبنى فيلما عالميا ينتج في عقر السينما العالمية بمقاييس هوليودية يدافع به عن أمتنا ويصحح مسار الإعلام العالمي ويقارع به أسلحة الغرب الأقوى من كل الأسلحة، ألا وهو (الإعلام)...فهل من مشمر! وأخيرا أود أن أبعث برسالة شكر لأخي محمد السحيمي الذي أيقظ في نفسي رغبة خبا ضوؤها لكنها تلألأت أخيرا.