تقويم الأسنان في تقويم الإنسان
الجمعة، ٦ نوفمبر ٢٠١٥
كانتْ أوّل حصّة في تاريخ عملي الوظيفي في التعليم، وأراد ربي أن تكون حصة أولى في الصباح الباكر في أول العام الدراسي للصف الأول الثانوي والمادة هي الفقه، والموضوع عن الأطعمة والتحضير جاهز والسّهر قبلها بليلتين مطبق على أجفاني والقلق آخذ بناصيتي وقلبي وعدد الطلاب فاق العشرين، وبدأت الحصّة بكلام عربيّ مبين فيه من فصاحة اللسان ما يحميني من الوقوع في أخطاء اللهجة وتعليقات المراهقين.
لكنّ احتياطاتي لم تنجح كلّها في بناء سور الشخصيّة العظيم الذي كنتُ أظنّ أنه هو طوق النجاة بالحصّة لبرّ النجاح والسيطرة على طلاب كنتُ أنظر إليهم أنهم ذئابٌ بشريّة مفترسة ومتربّصة، فلم أكَدْ أبدأ في مقدّمة درسي التي ضمّنتها وعظا وإرشادا كأنني أُخاطب فاسقين ومارقين ومحترفي مشاغبة وضلال حتّى رأيت ذاكَ التلميذ في آخر الصّف يبتسمُ استهزاء وسخرية في وجهي المتعب والخائف والمتوجّس.
ربطتُ الجأشَ وتظاهرتُ بالصّبر لحظة أو لحظتين هي أقصى ما أملكه من صبر حينها، لكنّ الابتسامات توالت وفتح الفمِ لم يتوقّف عند حدّ حتى كنتُ أرى في تلك الملامح ثورة ضدّ الأدب التقليدي والحياء المفروض علينا منذ صغرنا: أنّ الضحك من غير سبب قلّة أدب، وأصبحتُ أراقب الموقف الفاضح ـ في نظري ـ بشيء من الحذر والامتعاض والتقنين، حتّى أتتْ ساعة الصّفر التي قرّرتُ فيها طردَ ذلك الطالب من القاعة.
أطلقتُ بصوتي العالي في نبراته والمفرقع في ارتداداته كلمة واحدة متجهة صوب التلميذ لتصمّ أذنيه وتغلق شفتيه وهي (أُخرج من الفصل).
امتثَلَ الطالب للأمر وتثاقل في مشيِه حتى اختفى من حجرة الدّرس، وأكملتُ درسي في غضب باد وخيلاء كبير أنني انتصرت على أوّل هجمة من هجمات المراهقين أثناء تعليمهم..وليتني لم أفعل..بعدَ الحصّة الثالثة من ذلك اليوم حان موعد (الفسحة) التي يقضي فيها الطلاب وقتا لتناول وجبة غذائيّة أو راحة من توالي الدروس، جاءني نفس المطرود من حصّتي التاريخيّة الأولى مسلّما عليّ..وكانت المفاجأة التي قصمت ظهر البعير، حيث ذهَبْت بذهني بعيدا عن السلام والاعتذار الذي أبداه الطالب عن أمر لا يعرف ما هو، بل لمجرّد أنه أشفق على غضبي وانتفاخ عروق رقبتي وتورّم شرايين جبهتي، كنتُ أنظر لفمِ الطالب وهو يتحدّث معي لأكتشف طوقا حديديّا يلفّ أسنانه الأماميّة في فكّيْه.
واستعدت حينها صورته وهو يبتسم في الفصل، فوجدتُ أنّه لا فرق بين الحالتين، إنّما بريق المعدن البلاتينيّ أو الحديديّ في فمه من بعيد هو الذي جعلني أظنّ بأنه يضحك أو يبتسم سخرية واستهزاء من حديثي المهزوز والمتوتّر في أوّل حصّة ألقيها على الطلاب، فابتسمت له وقبلت عذره وانصرَف راشدا، وانصرفت نادما وحزينا ومهموما ومفكّرا.
لكنّ الأقدار المؤلمة والنّظرة القاصرة تلك جعلتني أكتشف أمرين هامّين غيّرا مجرى الحياة عندي حتّى هذا اليوم الذي يفصلني عن تلك الحصّة بإحدى وعشرين سنة، الأوّل: أنني في عصر ذلك اليوم راجعت طبيب العيون واكتشفت ضعفَ النّظر ووضعتُ نظارة طبية على عينيّ حتى يومنا هذا، الثاني: أنّ صبر ذلك الطالب في عمره الصغير على شبكة حديديّة تضغط على أسنانه رغبة في تقويمها وتعديل اعوجاجها رغمَ ما يحسّ به من آلام وما يراه فيه عيون الآخرين من استغراب لم يؤثّر على استمراره في طلب التقويم حتّى يحصل له المراد.
فما بالي أنا ومن أوّل اختبار عمليّ وُضِعْتُ فيه لتقويم سلوكيّات الطلاب قبل تعليمهم أخرج فاشلا أجرّ أثواب الهزيمة والنّصر المزيّف لمجرّد انتصاري لذاتي ونفسي في ثقة مهزوزة وغضب غير مبرّر وتصرّف أخرق لمشكلة خياليّة ليست من الواقع في شيء، وكأنني لم أحتمل حديدَ التعليم وشبكة المعلّم التي من المفترض أن تكون أكثر مرونة من شبكة حديديّة تُغرَزُ بين الأسنان لتقويمها.
أظنّ بأنّ نفس المراحل التي نحتاجها في تقويم الطلاب والطالبات هي ذاتها التي يسْلكها طبيب الأسنان حينَ يقرّر بأنّ الأسنان المتباعدة أو المبعثرة تحتاج لتقويم عبر الجهاز الحديديّ هذا، مرورا بمرحلة تركيبه ووضعه، ثمّ متابعته ومراقبة نتائجه، وتضييق المسافة الفاصلة في الضّغط أسبوعا بعد أسبوع أو شهرا بعد شهر، حتّى يصل للنتيجة المرجوّة أو أقصى ما يمكن أن يحقّقه من تصحيح، وأخيرا إخراج ذلك الجهاز وظهور أسنان متراصّة مصفوفة للوجود بعدَ بُعْدٍ وهَجْر.
بعدَ حادثة الحصّة الأولى هذه التي لن أنساها ولم تغب عن تفكيري يوما من الأيام، بِتُّ أبحث كثيرا وأفتش مليّا عن ابتسامات الطلاب أثناء الحصص، لأنني عرفت أنّ طلاقة وسرور الوجوه هي أول علامات الغيث والخير العميم للمعلّم في نفوس طلابه، وطويتُ بذلك صفحة أحمد ربي أنها لم تستمرّ سوى حصة واحدة في أوّل يوم دراسيّ لي في مجال التعليم.
وأنا من كل طالب في تلك الحصة الفاشلة أينما كانوا اليوم أعتذر.
baba.m@makkahnp.com