الهُوية.. قيمة إنسانية أم طارئ ثقافي؟

في مقال سابق أشرت إلى أن بعض أصحاب الممانعة الدينية يرفعون شعار (الهُوية) في مواجهة بعض أوجه التحديث الضروري والانطلاق في مواكبة العالم في مختلف المجالات الإنسانية والتنموية والحقوقية وغيرها؛ انطلاقا من ذات المنطقة الإنشائية التي أشرت إليها بأنها توفر مادة ممتازة للتغول في المزايدات على مفاهيم تلك الهوية، حيث لا نصوص دينية صريحة في حسم التصورات، بل نصوص يمكن بكل سهولة تأويل إسقاطاتها المقاصدية، وبالتالي تصبح منطقة الهوية تلك فضاء ممتازا للتحرك بحرية في مسار الممانعة التقليدية.
حين نأتي لنتأمل تلك الهوية، فسنتساءل: ما هي حدودها؟ ومن أين تستقى؟ وهل هناك اتفاق على مصدرها؟ وما سياقاتها التي يمكن ترجمتها فيها؟ وهل هي ثابتة أم متحركة؟ وهل يمكن أن تتغير بتغير الظروف الزمانية والمكانية؟ وأسئلة أخرى لا تتوقف، بل تتناسل من المصطلح تلقائيا كلما رُفع ذلك الشعار في وجه أي متغير منطقي وإنساني بالضرورة، وربما ديني أحيانا!بالقليل من تأمل واقع الحالة الاجتماعية المحلية سنجد عدة انقلابات في مفاهيم الهوية، فيمكننا أن نجزم بأن مجتمعا ما بعد الثمانينات الميلادية ليس هو المجتمع نفسه قبل تلك الحقبة، فالطفرة الاقتصادية والظرف الثقافي الجديد المتمثل في حركة الصحوة آنذاك عاملان مهمّان عملا على إعادة صياغة وتشكيل الكثير من المفاهيم، وبالتالي فستصبح هوية ما بعد الثمانينات مختلفة عن هوية ما قبلها، ومثل ذلك أيضا هوية ما بعد 2008 حيث الأزمة الاقتصادية العالمية التي ألقت بظلالها على معظم الأسر السعودية جرّاء التضخم الذي لا يزال آخذا في الصعود، وبالتالي فقد تغيرت المفاهيم الاقتصادية، وعلى إثر ذلك سيتغير لاحقا الكثير من المفاهيم حول ثقافة عمل المرأة حين باتت معظم الأُسر في حاجة ماسّة إلى استعادة ذلك الدور التاريخي للمرأة قبل الحقبة النفطية.
بعد كل ما تقدم سنجد أن تلك الهوية – في أغلب الأحيان – لم تكن أكثر من فزّاعة تُعلّق عليها كل استراتيجيات تلك الممانعة التي كانت هي نفسها ذات يوم سببا في تشكيل تلك الهوية وفق أدبياتها المرسومة لا كما هي عليه تلك الهوية كقيمة دلالية وتاريخية أصيلة لهذه الأرض وإنسانها منذ أن درج عليها واحتضن الرسالة النبوية ونشرها وأقام شعائرها بإخلاص، قبل أن يأتي زمن ليكتشف فجأة أنه كان بلا هوية! وأن كل إرثه الاجتماعي والثقافي عبر التاريخ غير كافٍ لأن يضفي عليه هوية ذات ملامح، وأن عليه إعادة صياغة علاقته بذاته ومحيطه وبالحياة من حوله.
في الحقيقة..إن كل ذلك ليس بذي مشكلة حين تكون هناك مساءلات صادقة وحرّة للكثير من الأشياء، ومنها مساءلة تلك (الهوية)، حيث إننا حين نتأمل مخرجات المنظومة الفكرية والدينية في مستواها الاجتماعي البسيط الذي صقل تلك الهوية وصاغ تطبيقاتها فسوف تذهلنا كمية التزييف في التصورات والمفاهيم، كما سيذهلنا الكسل المعرفي والإدراكي للكثير من الأشياء، وسوف نُصدم من منسوب الطائفية والكراهية المذهبية والمناطقية، وكذلك ثقافة التعامل مع المرأة والوعي بها وبكينونتها ودورها الوظيفي، وانعدام القدرة على التعايش أو هضم المفاهيم الأعمق للمواطنة كقيمة جامعة، أو حتى الحوار الطبيعي مع الآخر (المختلف) دينا أو مذهبا.
هذه المخرجات وغيرها تمثّل بعض أوجه تداعيات تلك (الهوية الجديدة) في مستوياتها التطبيقية المُشاهدة، ولهذا قلت إنها هوية طارئة على المجتمع، ولا تمثل كامل السياق التاريخي لوعي وشهامة إنسان هذه الأرض الذي لم يكن يوما ليحرض على طرد ضيف يحلّ بأرضه لأنه يختلف معه مذهبيا أو فكريا!