الإقصاء دعشنة خفية

إن برمجة العقول على منهج (من لم يكن معي فهو ضدي) هو عين الإقصاء بل عين الفكر والمنهج الداعشي الذي يتم من خلاله قولبة عقول السذج من الناس، بل وللأسف حتى عقول بعض طلبة العلم، وكأن من يقوم بمثل هذه البرمجة لم يسمع قط بقول الله سبحانه وتعالى: (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون).
والمتلقي لهذه البرمجة كأنه أيضا لم يع قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها).
إنه الجمود العقلي والتقليد الأعمى بكافة أشكاله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولقد عانينا منذ زمن بعيد من هذا المنهج الإقصائي بدعوى هجر المبتدع الذي وللأسف الشديد قد وظف في غير محله، لا لنصرة الحق والدين، بل لهوى في نفوس عشعش فيها الإعجاب بالنفس والتعالي على الآخرين المستمد ممن قال: (أنا ربكم الأعلى)! ولقد حذر الكثير من أئمة الإسلام من إقصاء المخالف ومنهم الحافظ الذهبي حيث قال في سير أعلام النبلاء: 40/14: [ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورا له، قمنا عليه، وبدعناه، وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة].
إن الولاء للثقافات الطائفية والحزبية الضيقة من البديهي أن ينتج لنا عمليات إقصاء وتهميش للآخرين على حساب الدين والمواطنة.
وهذا ما نشاهده في الوقت الراهن من سفك داعش لدماء الأبرياء في المساجد دون أي مراعاة لحرمتها نتيجة ما تبنوه من المنهج الإقصائي للطوائف الأخرى التي يعتقدون من منظورهم الأخرق أو بالأصح ممن لقنها لهم بأنها جماعات خارجة عن دين الله كالشيعة والصوفية والإباضية وغيرهم من الجماعات الأخرى.
والأعجب من ذلك كله هو أن من ينتهجون المنهج الإقصائي وخصوصا ممن يتكلمون باسم الدين هم أول من بذر البذرة الأساسية لداعش ثم سقوها بماء الكراهية والتبديع والتكفير حتى نمت وكبرت وأنتجت ثمرة التفجير وإزهاق الأرواح البريئة، لنراهم بعد ذلك يتباكون بدموع التماسيح منددين بتلك الجرائم التي أثمرها فكرهم الإقصائي!وهذا لعمري لا ينطلي على كل ذي لب وبصيرة، فلو رجعنا وبحثنا في تاريخ أولئك القوم المتباكين لوجدناه ملئ بالتكفير والتبديع والتحريض! فإن من يتبنى أفكار هذه الجماعات الإقصائية دون استخدام العقل ووضع الأمور في نصابها هم بلا شك ولا ريب كمن قال عنهم الله: (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون)، وحينها لن ينفعهم قولهم: (ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا).
فحذار أيها المسلم أن تكون السوط الذي يستخدمه الجلاد ليضرب به الآخرين، فقد أقام المولى جل جلاله عليك الحجة بأن أمدك بهذا العقل الذي هو مناط التكليف حتىلا تأتي يوم القيامة فتقول: (إنا كنا عن هذا غافلين).