كن «جوكر» أو غادر!

سأتناول في مقالي اليوم فئة مهمة تقدم خدمات جليلة للمجتمع ولكن للأسف مهضوم حقها في معظم الأحيان ولم يتم التحدث عن هذه الفئة من قبل – بحسب علمي- ولا أتذكر أنه تم الحديث عنهم إلا في المواقف السلبية أما المواقف الإيجابية فلا حس ولا خبر.
وقد يستغرب البعض من عنوان المقال، ولكن حين قررت الكتابة عن هذه الفئة المهمة في المجتمع، وقارنت بين ما يقومون به من أعمال وما يلاقونه من تقدير مادي ومعنوي، وجدت أن هذا الاسم (الجوكر) هو الاسم الأنسب الذي يمكن أن يطلق عليهم، هذه الفئة المهمة هي المعلمون والمعلمات في المدارس الأهلية أو المدارس الخاصة (غير السعوديين بالتحديد).
فمن خلال مشاهداتي وما سمعته من مواقف وقصص وأخبار عن معلمي المدارس الأهلية وجدت نفسي أقف احتراما لمعظمهم بسبب ما يلاقونه من معاناة تبدأ من الإعلان عن توفر وظائف تعليمية في مدارس خاصة في مملكتنا الحبيبة فيجد المعلم نفسه مضطرا إلى بيع ما أمامه وما خلفه والاستدانة لكي يحظى بفرصة الحصول على التأشيرة الحلم التي ستمكنه من القدوم إلى المملكة محط أنظار معظم المعلمين في العالم، فيجد نفسه مضطرا إلى توفير طلبات وأوراق مصدقة و(دمغات) لكي تكون أوراقه كاملة، وبعد ذلك يمكن أن يدفع بعض (الإكراميات) لبني جلدته لكي يأخذوا الأوراق المطلوبة، وبعد ذلك يدخل في مجموعة من الاختبارات التحريرية والمقابلات الشخصية والتشخيصية والتي بناء على نتائجها يتم ترشيح المعلم للتدريس في المملكة.
وحين يُبشر بقبول ترشيحه للتدريس يبدأ في بناء قصور من الأحلام الوردية والآمال المخملية التي تجعل منه شهريار عصره، وكذلك تجعله ينسى ما مر به من معاناة حتى حصل على هذه الوظيفة.
وفي يوم سفره إلى المملكة يجد سيلا من التهاني والأفراح والزغاريد التي ملأت أرجاء الحي الذي يسكنه، وبعدها تأتي قائمة الطلبات من الأحباب والأصحاب فمنهم من يريد تأشيرة عمل، ومنهم من يريد تصريح حج أو عمرة، ومنهم من يريد بعض الأرزاق وأقلهم من طلب مروحة زاوية متعددة السرعات و..و ..و..، ولكن للأسف في معظم الأحيان تتحول هذه الأحلام الوردية إلى كوابيس مظلمة بمجرد أن تطأ قدماه المدرسة التي كتب الله عليه أن يدرس فيها.
فتبدأ رحلة الاستنزاف فيجد المعلم نفسه يرزح تحت وطأه الضغوط من جميع الجهات، ابتداء من إدارة المدرسة مرورا بأولياء الأمور وصولا إلى الطلاب أنفسهم، فالطالب وولي الأمر دائما على حق (فالزبون دائما على حق)، فيجد المعلم نفسه بين خيارين أحلاهما مُر إما أن يسكت ويقول (حاضر)، أو أن يجد نفسه في بلده على أول سفينة - لأن تذاكر الطيران غالية- ويكون في استقباله «الديّانة» ومن يعتقدون أنه راجع برصيد كبير في البنك ومحمل بأنواع الهدايا والتذكارات وخصوصا من طلب المروحة.
فإذا سكت وقال (حاضر) يفاجأ بأنه تحول من معلم إلى (جوكر) يجب أن يقوم بعدة أدوار لكي ترضى عنه الإدارة، فهو معلم مادة لتخصصه ولتخصص مادة أخرى عند الحاجة وعدد حصص قد يصل إلى (32) حصة في الأسبوع علما بأن الحد الأقصى للحصص هو (24) حصة.
وكذلك يجد نفسه إذا دعت الحاجة رائد صف ومرشدا طلابيا ومراقب طلاب ومحاسبا وفني كهرباء ودهانا وسائق باص لأن السائق مريض أو موقتا إلى أن تحضر الإدارة العامة سائقا بديلا أو في أضيق الأحوال مراسلا يقوم بتسليم واستلام المعاملات من إدارة التعليم أو مدرب سباحة و كاراتيه وختاما مصورا في حفلات المدرسة الخاصة والعامة، ومن هنا قلت هذا المثل فهو من تأليفي وماركة مسجلة باسمي (كن «جوكر» أو غادر).
نلوم بعض معلمي المدارس الأهلية بالقيام بإعطاء دروس خصوصية خارج وقت الدوام وأقول – وهذا ليس تبريرا لهم- لو وجدوا ما يكفيهم من مردود مادي لقاء الأدوار التي يقومون بها داخل المدرسة وأحيانا خارجها لما ذهبوا للبحث عن أعمال إضافية.
نداء إلى مُلاك المدارس الأهلية رفقا بالمعلمين والمعلمات فما دفعهم إلى الغربة إلا لقمة العيش فلولا لقمة العيش لما تركوا أوطانهم وأهليهم وارتضوا الاكتواء بنار الغربة.
ما سبق لا ينطبق على جميع المدارس الأهلية بل هناك مدارس قمة في حُسن التعامل، ولكن لا أحد ينكر أن ما ذكر بعاليه موجود في بعض المدارس الأهلية.