بغداد تئن تحت وطأة النفوذ الإيراني
الثلاثاء، ١١ فبراير ٢٠١٤
الحديث عن التدخلات الإيرانية بالعراق لابد أن يبدأ من النهاية، والتي تفصح عنها صور الزعيمين الإيرانيين الخميني وخامنئي المعلقة اليوم في ساحات وشوارع بغداد، مدينة الرشيد وعاصمة الخلافة العباسية
فصراع الحضارات بين العرب والفرس، كان في بدايته قوميا، تحول إلى ديني عند بزوغ فجر الإسلام، ثم عاد لإطاره القومي في الحرب العراقية الإيرانية، وانتهى به الأمر اليوم ليكون ذا طابع طائفي مذهبي بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003
وبلغ الصراع ذروته عامي 2006 و2007 بعد تفجيرات سامراء التي أعقبتها مذابح وإعدامات جماعية، وتطهير طائفي راح ضحيته مئات الآلاف على أيدي الميليشيات، وفر خلاله أكثر من 4 ملايين غالبيتهم من السنة، في أكبر عملية نزوح جماعي في تاريخ المنطقة منذ هجرة الفلسطينيين في أربعينات القرن الماضي
بات القرار السياسي في العراق حاليا خاضعا للإرادة الإيرانية، فلا يتسلم سياسي شيعي منصب رئيس الوزراء إلا بمباركة وموافقة من الحكومة الإيرانية، بدليل الزيارات المكوكية التي يقوم بها عادة المرشحون للمناصب العراقية إلى الجارة إيران
تدخلات ميليشياوية
يقول الناطق الرسمي باسم ائتلاف (متحدون) الدكتور ظافر العاني لـ(مكة) “إن التدخل الإيراني بالشأن العراقي لم يعد يحتاج لأدلة، وكذلك الحال بالنسبة لتدخلها في شؤون المنطقة، بل امتد النفوذ الإيراني إلى دول ومناطق بعيدة جغرافيا، سواء كان هذا النفوذ استراتيجيا أو طائفيا”
وأضاف “تدخل إيران بالشأن العراقي أصبح طاغيا، خاصة على السلطة السياسية، وبات من الصعب عليها تشكيل أية حكومة جديدة دون أن يكون لطهران يد فيها”
وتابع “أما النوع الآخر من التدخل فيتمثل في الميليشيات المسلحة المرتبطة بها، ليس تدريبا أو تسليحا فقط، بل عقائديا أيضا، حتى باتت عناصر تلك الميليشيات تجاهر برفع صور خامنئي والخميني في بغداد
كما أن هناك مسيرات ذات طابع عسكري غالبا ما نراها في بغداد وتحمل شعارات فيلق القدس الإيراني، بل وتقام تلك المسيرات بحضور شخصيات سياسية عراقية وأعضاء بمجلس النواب
فلا تزال يد إيران هي الطولى ترغيبا أو ترهيبا، وهي توهم الناس بأن حكومة ولاية الفقيه لها امتداد على جميع شيعة العالم وأنها تحميهم من إخوانهم السنة! إلا أن الشيعة بوسط وجنوب العراق أدركوا أخيرا حجم هذه الأكذوبة
فطهران تبحث عن مصلحتها القومية، حتى لو كان ذلك على حساب دماء الشيعة العرب
لذا يمكن القول إن أدوات إيران كثيرة، والغياب العربي عن المشهد العراقي أكبر، وهذا الحال جعلها تتصرف وكأنها تتحرك في فراغ”
تأرجح العروبة
يرى العاني أنه بات ضروريا التقليل من أضرار النفوذ الإيراني عبر إرادة وطنية حقيقية
وقال “لا شك أن النفوذ الإيراني في العراق بات كبيرا جدا إلى درجة يصعب معالجتها، ولكن رغم كل شيء لا بد أن يجابه بإرادة وطنية واضحة للتخفيف منه والتقليل من أضراره
فهناك إرادة وطنية داخل العراق رافضة لهذا النهج خصوصا بعد مضي 11 سنة على احتلال العراق، وكل العراقيين وفي مقدمتهم الشيعة يرون مدى الأذى الكبير الذي يمكن أن يلحق بهم وبمستقبلهم عندما يكونون جزءا من النظام السياسي لطهران”
وأضاف العاني “باتت طهران تتحكم بأمن العراق وسياسته وقراراته وتجارته واقتصاده، بل حتى في سياسته الخارجية، ويبدو ذلك جليا عبر موقف العراق من الثورة السورية
إذ لاحظ الجميع مدى اصطفاف النظام العراقي مع نظيره بطهران إلى جانب النظام السوري، بخلاف الإجماع العربي
وهناك كثير من المواقف العربية تجاه بعض القضايا المهمة بالمنطقة والعالم نجد العراق فيها وللأسف يصطف مع نظام طهران حتى لو كان ذلك على حساب عروبة العراق
وإذا عدنا للوراء نجد أن بعض من شاركوا في كتابة الدستور العراقي امتعضوا من أن يكتبوا أن (العراق بلد عربي)
ودستورنا اليوم لا يشير إلى أن العراق بلد عربي، بل يقول إن العراق بلد مؤسس لجامعة الدول العربية وعضو فيها، وأصبح حالنا كحال جزر القمر!
فقد تلاشى العراق كبلد عروبي وانتهى دوره التاريخي كنقطة استراتيجية في الصراع مع أعداء الأمة العربية
إذ يراد له اليوم جعله الحديقة الخلفية لطهران”
داعش..ومخابرات إيران
فيما ينشط تنظيم (داعش) في العراق وسوريا، كجماعة مسلحة شديدة التطرف، كثر الحديث عن مدى تناغم وانسجام توجهات هذا التنظيم الإرهابي مع المصالح والسياسات العليا لإيران، إذ يحارب التنظيم المعارضة السورية، وإعطاء الذريعة لحكومة نوري المالكي بشن حملة عسكرية ضد محافظة الأنبار (السنيّة)
وفي هذا السياق يقول العاني “إن تنظيم داعش بسوريا مرتبط بشكل أو بآخر بنظام الأسد، فهذا التنظيم قدم خدمة كبيرة لنظام طهران الحليف للأسد عندما كان سببا في تأجيل الحرب الدولية المفترضة على النظام السوري
فواجب داعش يتلخص في تقديم صورة أقبح بكثير من صورة نظام الأسد، وجعل المجتمع الدولي ينظر إليهم كخيار أسوأ من نظام الأسد
وحتى يومنا هذا خصم داعش في سوريا ليس نظام الأسد بل المعارضون الوطنيون للأسد ولا سيما الجيش الحر
وهناك تعاون وثيق بين الأسد وداعش، وما زلنا في العراق نعتقد أن داعش هو الوجه الآخر للمخابرات الإيرانية في المنطقة”
أبواب التدخل
يقول النائب السابق عن التحالف الوطني قيس العامري لـ(مكة) “إن العراق بعد 2003 أصبح عرضة لتدخل كثير من دول الجوار مثل إيران وتركيا
وهذا أمر ليس بغريب على بلد محتل
فمن الطبيعي أن احتلال العراق جعل الدول المحيطة به متخوفة من هذا الأمر، سيما وأن العراق بلد مهم يربط الشرق بالغرب ولديه حدود واسعة مع السعودية والأردن وسوريا وإيران وتركيا والكويت، لذلك تحاول كل هذه الدول أن تحافظ على مصالحها داخل العراق والمناطق المحاذية لها، فالطبيعة الاجتماعية والجغرافية للعراق لابد أن تكون متداخلة مع هذه الدول
فعلى سبيل المثال، يوجد في العراق الملايين من أبناء القومية الكردية، وهذه القومية موجودة أيضا في تركيا وإيران وسوريا
وأيضا هنالك روابط اجتماعية مع الدول المحيطة بالعراق كالأردن والسعودية والكويت، وهناك عوائل وعشائر شطرتها الحدود إلى شطرين
كما أن العراق دولة متعددة المذاهب، فيها السنة والشيعة، ولذلك فإن وجود تدخل من إيران أمر طبيعي، لأنها دولة فاعلة في دعم المعارضة العراقية إبان حكم نظام صدام حسين للعراق”
جواسيس إسرائيل
ويضيف العامري “الدور السلبي لإيران في العراق يتمثل بالصراع الدائر بين إيران وأمريكا، فسابقا كان لدى إيران مشاريع تتعارض مع الإدارة الأمريكية كالملف النووي، ولديها كثير من القضايا تختلف حولها عن أمريكا، فإيران راعية للمقاومة في لبنان المتمثلة بحزب الله، وأيضا هي داعمة لجزء كبير من المقاومة في فلسطين مثل حركة حماس ومنظمة الجهاد الإسلامي ومنظمات أخرى معادية للكيان الصهيوني
في حين أن أمريكا لديها حلف كبير وقوي مع الكيان الصهيوني في المنطقة
وهذه المصالح قد ينعكس جزء منها على العراق”
وأشار إلى أن “القوات الأمريكية كانت موجودة بشكل كثيف في العراق سابقا، ووجود هذه القوات كان يسبب هاجسا من الخوف لدى الطرف الإيراني، خصوصا وأن إيران كشفت في وقت سابق تسلل جواسيس إسرائيليين عبر الأراضي العراقية
وكل هذه التداعيات أثرت سلبا على الواقع العراقي، ونعتقد أن التدخل الإيراني في العراق بات أمرا طبيعيا، لأن مصالح إيران تدفعها باتجاه هذا التدخل”
فراغ عربي
وإزاء ابتعاد العراق عن حاضنته العربية ما بعد 2003، يقول العامري “ابتعاد العراق عن محيطه العربي منذ 2003 فتح الطريق أمام التدخلات الإقليمية في شؤونه الداخلية
فبعض الدول لديها علاقات متوترة مع الجانب العراقي، وكذلك الحال بالنسبة لدول عربية أخرى في بعض الفترات كالأردن وسوريا، وأغلب الدول العربية لم ترغب بفتح سفاراتها بالعراق، وهذا خلق حضورا قويا لإيران بالعراق
التراجع في العلاقات العراقية العربية تتحمل مسؤوليته الدول العربية نفسها أكثر ما تتحمله إيران”
غرور فارسي
يرى الكاتب والصحفي فاضل النشمي أن “الإيرانيين لا يتدخلون بطريقة لائقة مثلما تفعل الدول الأخرى حين تحاول المحافظة على مصالحها الحيوية في دولة ما
فإيران تفرض وتقرر عندما يتعلق الأمر بالشأن العراقي، وعلى القوى السياسية خاصة الشيعية منها تنفيذ تلك الأوامر والتعليمات
والمؤسف أن بعض القوى الشيعية تسعى لتبرير السيطرة الإيرانية على العراق، من خلال الزعم أن إيران هي من آوت وحمت تلك القوى إبان معارضتها لحكم الرئيس الراحل صدام حسين
وكأن الحماية والتواجد على الأراضي الإيرانية في تلك الفترة جواز عبور إيراني للهيمنة الدائمة والمطلقة على العراق وقواه السياسية”
وأضاف النشمي “إيران اليوم لها هيمنة كاملة على العراق، تفوق بكثير هيمنة الولايات المتحدة من قبل، ولعل تدخلها في تشكيل قوى التحالف الشيعي واختيارها الحاسم لمن يكون رئيسا للوزراء في العراق أحد أهم عوامل سيطرتها المُحكمة على الشأن السياسي، فضلا عن أن إيران لها أجنحة عسكرية ضاربة في الداخل مثل ميليشيا العصائب ومنظمة بدر وجماعة حزب الله تنظيم العراق”
مسؤولية الأحزاب
يلقي النشمي باللائمة على بعض الأحزاب السياسية العراقية بأنها أسهمت بشكل كبير على ضعف المؤسسات العراقية، إضافة إلى الضعف المشين للقوى والأحزاب الشيعية المختلفة
تلك القوى التي لا تكترث لحاضر ومستقبل البلاد قدر عنايتها بمصالحها الذاتية الضيقة، وحرصها على توجهاتها الطائفية والدينية
وأوضح “خضوع بعض الأحزاب العراقية معروف في التاريخ، فالحزب الشيوعي كان خاضعا بالكامل إبان فترة تأسيسه وما تلاها للحركة الشيوعية العالمية، ويتلقى تعليماته من القيادات الشيوعية في الاتحاد السوفيتي السابق
وكذلك الأمر بالنسبة للأحزاب والتيارات القومية التي كانت تأتمر بأوامر قيادات بعثية سورية أو مصرية ناصرية
وينطبق ذلك على أحزاب الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي، فالحركة الإخوانية السنية ارتبطت تاريخيا بإخوان مصر، والشيعة ارتبطوا بإيران”