صنع الخطاب الثقافي

الخطاب الثقافي هو الواجهة الثقافية لأي دولة، حيث يتم تكوينه من الداخل، ثم نشره ليعم كامل الصورة الخارجية
وكلما كان الخطاب مبنياً على أسس أصيلة منطقية صادقة، كانت معطياته وانعكاساته ذات فائدة عظمى للوطن من جميع النواحي، والعكس بالعكس
وقد يكون المثقفون هم المسؤولين الأوائل عن تكوين الخطاب الثقافي، ولكنهم وبدون التشارك مع السلطة لا يمكن أن ينتجوا خطاباً فاعلاً، وعند التصادم معها يحدث التشويه في مسارات تكوين الخطاب، وبالتالي التردي لعموم صور المجتمع، والوطن والحكومة
ولا بد أن تكون صياغة الخطاب الثقافي معتمدة على جذور صلبة نابعة من معطيات المجتمع وإرثه الثقافي بشيء من التطوير، وبنوع من التدرج في منهجية التعديل، فلا يكون نتاج ذلك رفضاً من المجتمع لما تتم صياغته، وتكديرا لصفاء الصورة
وقد يكون أهم ما يشغل المجتمع في أي خطاب ثقافي هو الثوابت، وهي إما أن تكون دينية، أو تراثية، أو وطنية
والثوابت، يجب أن يتفق عليها الأغلبية العظمى، بما فيهم الأقليات، فلا يتم إهمال بعض الثوابت لتصبح من العدم، ولا أن تضخم أقل الثوابت وتنصب على أعلى قمة الأساسيات، ولا أن يستسهل الأمر فيتم صبغ التشريعات الإنسانية والعادات المختلف عليها بصبغة الثوابت القاطعة
وحقيقة أن الموتى هم وحدهم من يستمرون على نهج ثقافي ثابت لا يتغير، فالحياة من حولنا متغيرة وبها الكثير من التحولات الفكرية والتطورات تبعاً للنظريات المستجدة والمخترعات والاكتشافات ومتطلبات الحياة الجديدة
ومن يحاول تجميدها، فإنه بلا شك سيتخلف كثيراً عن الركب، وأمة بلا خطاب ثقافي متحرك باتزان نحو المستقبل، هي مجرد مجموعة من الأوباش يتقاتلون على سرعة التقهقر
والعناصر الأساسية لصياغة الخطاب الثقافي هي: 1ـ مستوى مرتفع من الحرية الفكرية، والشجاعة في الطرح، والقدرة على الذهاب للأبعد
2ـ ثقافة لغة الحوار البناء، والتي لا تلغي الآخر مهما كانت درجات اختلافه أو تفتق ذهنه عما لا يستوعبه المجتمع في حينه
3ـ وجود الهدف الوطني الأساسي المشترك لمن يقومون على صياغة الخطاب
4
تكاتف وسائل الإعلام، القديم منها والحديث، على مساعدة المثقف في مهامه بما لها من تأثيرات مباشرة على مختلف مستويات المجتمع
5ـ وجود المحيط والمجتمع المنتج، المتطلع للأفضل، غير المنغلق على ذاته وخصوصيته
وشعوبنا العربية شعوب منقادة، وقد أوقعتها طيبتها مرات عديدة في الخضوع لخطابات ثقافية إما بعيدة كل البعد عن الواقع، أو هشة سرعان ما تزول، أو متطرفة جعلتها تتردى، ثم تستيقظ، وتندم حين لا يعود ينفع الندم
وهذا ما جعل العالم ينظر إلينا بأعين مستخفة حذرة، وبحسب ما يطفو فوق سطح ثقافتنا، فكأننا لا يمكن أن نصنع حضارة متماسكة، ولا أن نكون مجتمعاً منتجاً، متعايشا مع الغير، متقبلا للجديد، وأظن نظرتهم ليست بعيدة عن الحقيقة، فالأمر يظل محبطاً لنا، ويحتاج إلى قفزات نوعية لإثبات العكس
نحن نعاني من علل التخبط، فلدينا الكثير من ملامح الخطابات الفكرية المشتتة الناقصة، والتي يعد بعضها نشازاً، إما للمطالبة بالانسلاخ الكامل من جميع القيم، أو بالدعوة للتطرف الشديد الناري المميت، الذي يلتصق بالماضي، ويرفض مجرد الحوار
وكان لمثقفينا الدور الأقوى في تردي حالنا، خصوصاً من يعشقون ترديد الببغاوات، ويكرهون من يفكر، ومن يبحث بنفسه، ويطالب بالتغيير
ولا شك أن المثقفين يتأثرون بتركيبة حكومية سياسية، تربوية، عقائدية، مجتمعية، والمثقف الحقيقي إذا لم يجد التناسق والتمازج بين تلك الجهات، فإنه سرعان ما يبح صوته، وينزوي، وربما يصبح نشازاً خارجياً، للتشويش!
كنا نأمل من مراكز الحوار العربية دوراً عظيماً قبل أن تتحور وتتحدر في مبادئها وأهدافها، وتصبح معاهد متوسطة، لتعليم الحوار اليومي بين الأفراد
كما أن وسائل الإعلام ما زالت «تتعنصر» وتحدد من يظل في الواجهة ومن يغيب بانتقائية مختلة لا عقلانية فيها، فيستمر الخطاب الثقافي مشوشاً مغيباً مختطفاً، للأسف
shaher.a@makkahnp.com