أحمدي نجاد ودموع الحرقة

نشرت وكالات الإعلام الإيرانية صورا عديدة للرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد، وهو ينتحب ويندب بدموع حارقة ومرارة حزنا على مقتل مرافقه عبدالله باقري، والذي نفق منذ أيام في سوريا.
وباقري لمن لا يعرفه كان الحارس الشخصي اللصيق لأحمدي نجاد طوال فترة رئاسته، وقد اختار الذهاب طوعا للجهاد في سوريا، بنية استعادة لياقته المفتقدة، وتقديم المشورات الاستخباراتية للنظام، وتأصيل خبرات التعامل مع الأزمات للشبيحة، فلقي حتفه بانقلاب السحر على الساحر.
وصور العويل والنواح والحرقة تلك كانت قد التقطت لأحمدي نجاد أثناء زيارته التاريخية لأهل مرافقه القتيل، حين قدم لهم العزاء واحتضنهم فردا فردا، واستعبر بحرقة شديدة تنم عن كبر المصاب، وتعاطف شديد مع ذوي الهالك، والذي جارت عليه خطوب الدنيا، واختطف في عز شبابه، (وما كنش يومه)!.
وبعين الاعتدال المعوجة، فإن عويل وندب أحمدي نجاد، وبعيدا عن الشخصنة، لم يكن لهما علاقة بحالة التهميش والقهر والانزواء، التي فرضت عليه بعد إبعاده عن منصبه ليختبر معاني الظلم؛ وهي بلا أدنى شك - مشكوك فيه - ليست وسيلة منه لاستعادة وهج الصحافة والأضواء والإعلام، الذي كان يشعل بها أيام حياته، وينفش معها أرياشه عند كل كلمة يقولها، وكل فعل يتبناه مهما كان بلا رؤية ولا أسس.
كثير من المغرضين ظنوا أنه كان يبكي فيها كالتمساح جزءا من ذاته، وربطوا ذلك بالراحة النفسية والفضفضة والتعبير عما كان يشعر به علانية، فلا يعود أحد ينتقده، ولا يتساءل عن أسباب بكائه الحقيقي!.
ومن ناحية إنسانية -متبلدة- فمن المؤكد أن ما يجمعه بالقتيل طوال السنوات الماضية من خير لم يكن سهلا عليه نسيانه، فقد كان القتيل عينه التي لا تبصر إلا الخير، وكتفه التي لا تزاحم إلا للسلام، ونواياه التي تختصر الحق المبين!.
وقد كان كفه التي لا تمتد إلا لأعمال الخير والصلاح؛ فكيف لا يبكيه، وقد رحل بكل أسراره وحكاياته، وبكل تاريخه المتناهي في الطيبة!.
لا تفهموا أحمدي نجاد بالخطأ، فلا شك أنه كان يبكي فيه الفقيد الإنسان، ويتحسر على خصاله البريئة الطاهرة، وعلى معرفته بالله، وعلى وفائه وتضحيته للإنسانية؛ وكيف لا، وقد ذهب طوعا ليقف مع الأسد المظلوم، وشبيحته الملائكة، وقواته المرتزقة، وحزب الله المقاوم للشرور، والساعي لدك حصون الظلم، بالبراميل المتفجرة، التي يدعي ملايين الشعب السوري المتمرد بأنها تستهدفهم، ويتحججون بالخوف من السحق تحت الأنقاض، فيختارون دونها الهجرة على أمواج الموت!.
القتيل كان يمتلك قلبا أخضر لا يعرف إلا الرحمة وحب الخير؛ فلم يستكن، ولم يرض أن تتوقف رحلته وتنتهي عند تقاعد سيده.
وذهب للبحث عن قصة حسن ختام يدخل بها الجنان من أوسع أبوابها، ويحصل على الحور العين، وعلى الولدان المخلدين، بكيل الفناء لكل سوري مارق، لا يستحق الحياة!.
فرصة سنحت لأحمدي نجاد للبكاء والعويل واللطم، ستغلب على دموع الخنساء وأشعارها؛ وربما أنه لن يجد لها من مثيل، حتى ولو ظل يبكي بالسنوات، ويخفي تاريخه الأسود بدموع من الدم، وحتى لو اعترف بكل ما اقترفه من فظائع في حقوق الشعب الإيراني، والشعوب المسلمة على السواء.
shaher.a@makkahnp.com