أمثلة زمن الضعف
الأربعاء، ٢٨ أكتوبر ٢٠١٥تتناقل أجيال شعوب العالم المختلفة قيم ومبادئ مجتمعاتهم، وعادةً تكون عن طريق الحكم والأمثال.
فالأمثال تتمتع بالقدرة على ربط ماضي تلك الشعوب بحاضرهم فهي كما يعرفها المثقفون ذاكرة الشعوب ومستودع ضميرها الجمعي.
ومجموع هذه الحكم والأمثال تمثل إناء يعكس قيم ومعتقدات ومبادئ المجتمع فهي سهلة التكرار، سهلة الحفظ وبالتالي كثرة ترديدها تتجاوز كونها انعكاسا لماضي تلك الشعوب ولكنها تلعب دوراً كذلك في تشكيل مستقبلها.
كثير من علماء اللغة من غير العرب لاحظوا ظاهرة كثرة استخدام الحكم والأمثال في حديث العرب، وذكر بعضهم "أن العربي يشعر بالنشوة عند ذكره المثل، وكأنما يروي تجربة شخصية وقصة حقيقية"، وأن ذِكر ذلك المثل أو تلك الحكمة "عند البعض منهم" يمثل نهاية للنقاش، وكأنما هذه الكلمات مقدسة وغير قابلة للنقاش ودليل قاطع على صحة الرأي.
نحن، مثلنا مثل معظم الشعوب الأخرى، عندنا نصيبنا من الأمثال السلبية التي تحمل معاني خاطئة لا تعكس قيمنا ولا ديننا أو معتقداتنا، فكثير من الأمثال الدارجة في مجتمعنا يروجها الكثير لما يبدو على ظاهرها من منطق بينما هي تخالف المنظومة الأخلاقية التي ننتمي اليها والتي يحثنا الإسلام عليها.
وإذا بحثنا فيها وجدنا أنها أسلحة وعتاد أهل النفوذ لتبرير أعمالهم وأفعالهم، والتي عادة ما تصب في مصلحتهم.
هذه الأمثال السلبية كثيرة وليس الهدف من المقالة تعديدها ولا حتى انتقاء الأسوأ منها، فبعضها علناً يرسخ مفهوم العنصرية والعصبية، ولكن أنقل لكم بعضها والذي يكثر تداوله في مؤسساتنا بما فيها مؤسسات التعليم العالي والتي يفترض أن تكون محصنة من مثل تلك الأقوال والممارسات، ولكن.
.
أبدأ بمقولة ولن أقول "حكمة": "المساواة في الظلم عدل".
.
لا أدري إن وجد زمان غير زماننا هذا وُصف الظلم فيه بطريقة إيجابية وحسنة فضلاً عن أن نصل إلى درجة نضع فيها الظلم والعدل في نفس الدرجة كمترادفات وككلمتين ذاتي دلالة واحدة!
تأمل فيها لحظة.
.
تجاوزنا كل المسافة بين الظلم والعدل حتى إننا لا نواري في تبرير الظلم وتزيينه بل وصلنا إلى أن نصف "الظلم"، هو نفسه "الظلم"، بالعدل.
ما نعرفه والمسّلم به عندنا هو أن العدل وإقامته هو هدف الرسالات والشرائع وأن به تقوم الدول وتنتصر الأمم وبإضاعته تنحدر وتسقط.
ما نراه من الظلم كثير، وما نسمعه ونعرفه أكثر وأكثر، ويكفي أن نذكر أنه ما من فعل غيره حرمه ربنا، عز وجل الكبير المتعال، على نفسه، فحبذا إذا استخدمت كلمة الظلم في مكانها، فالذي نعرفه عن الظلم أنه "ظلمات يوم القيامة"
ولا يختلف عنه كثيراً مثل آخر في ظاهره مقبول ولكن يستخدم في غير مكانه وهو: "في النهاية لا يصح إلا الصحيح"
الصحيح هنا المقصود به الحق والنهاية عندنا هو ما يحكم به الله تعالى فما نعرفه هو أن الحقوق لا تضيع عنده سبحانه وتعالى.
هناك فقط يُضمن أخذ الحق لأهله، أما هنا في الدنيا فالذي يحكم قانون الغابة وأكثر من يروج لهكذا أمثال هم أصحاب النفوذ والذين لا يتوانوا في استخدامها بأي طريقة في سبيل الحصول على ما يريدون والذي عادة ما يكون لمصلحة او منفعة شخصية ولن يجدوا أفضل من هذه المقولة لتبرير أفعالهم وفسادهم.
فآلاف الكيلومترات من الأراضي التي منحت لأشخاص قلة "صحيح"، ومئات الملايين التي سلبت من المناقصات "صحيح" وعشرات من الذين عطلت قضاياهم وهضمت حقوقهم لحفظ صورة المؤسسات والهيئات التي يطالبوا بمحاسبتها "صحيح".
وكذلك الكيان الإسرائيلي القائم على الأراضي الفلسطينية وما يقوم به من محاصرة واعتقالات وإذلال هو قانوني تماماً و"صحيح".
أجزم أنه لن يوجد من أهل المروءة من يتجرأ على ذكر هذا المثل أمام أهل حماة في سوريا والذين حرق منهم حافظ الأسد الآلاف وهو رئيسهم وماتوا هم، وهو هو لا يزال رئيسهم وغيرها من الأمثال في التاريخ كثيرة.
.
وحيث إن هذا المثل هو أحد الأبيات في إحدى الأغاني المشهورة، فلا بأس أن تتغنى به المغنيات في الأفراح أما أن يكون إحدى قيم المجتمع! فما هذا إلا انعكاس الزمان الذي نعيش فيه.
اخيراً وليس آخر.
.
"يعرف من أين تؤكل الكتف"، وهذا المثل له أصل ومعنى واضح، وفي أمثال العرب من مئات السنين، أما أن يستخدم في أروقة الجامعات واجتماعاتها وفي حث منسوبيها على الإنجاز وهم الأكاديميون والمرجعية في وضع النظم والقوانين وضمان حفظ الحقوق ووضع كل المعايير التي توصل الى الإنجاز، فلا أعرف بماذا أُعلق عليه.
فكأنما الرسالة كانت كالتالي "ضعوا كل تلك المعايير والقوانين جانباً واعرفو من أين تأتي الموافقة، وتوقع العلاوة ويأتي الترشيح ويعطل إنجاز المنافس و.
.
و.
.
و"تؤكل الكتف".
فكيف لنا بعد كل هذا أن نستغرب من بعض الممارسات التي نراها حولنا.
في الختام أدعكم لأبحث عن الكتف أولاً ومن ثم تعلم كيف تؤكل وفي طريقي لها سأظلم وأظلم وأظلم من قد يشاركني فيها "بالمساواة" حتى أكون "عادلاً" ولتسخير كل من أعرف وما أعرف للحصول على غايتي وبكل طريقة ممكنة، وإن كانت غير أخلاقية، فلا يهم الا أن يصح، لي أنا وجماعتي، في النهاية "الصحيح".
أرجو من الله تعالى أن يعجل باليوم الذي يأتي فيه أحد أفراد هذه الأمة ويصنف لنا كتاباً يجمع فيه من هذه الأمثال وغيرها تحت عنوان "أمثلة وحِكم زمن الضعف".