بطولة مريم

البطولة التي تصنعها كتابة السيرة للشخصية التي تستعيد السيرة تاريخ حياتها وتدوِّن تجربتها، هي مصدر قيمة السيرة وأهميتها للقارئ. فليست كل سيرة مكتوبة قادرة على الدلالة على البطولة أو الكشف عنها ما لم تخرج بشخصيتها موضوع الكتابة عن العادي والمألوف إلى مستوى التفرد والإدهاش: المستوى الذي يغني الخبرة، ويثري الشعور، ويلفت إلى مكامن القوة في الإنسان، وطبيعة العقبات التي اعترضته، ومقدار الكفاح والتضحية والمغامرة في اجتيازها، ومن ثم تمخُّض السيرة عن قيمة تجاوز الخاص إلى العام، والذاتي إلى النموذجي.
هذه هي خلاصة الشعور الذي خامرني وأنا أتصفح كتاب الصديق الكريم الدكتور فؤاد شهاب من البحرين الشقيقة: «ابنتي حبيبتي.. سميتها مريم». وهو كتاب أسمعني الصديق حكايته الرئيسة وبعض تفاصيلها، في لقاءاتي المباشرة معه أو عبر الرسائل. وظللت أستعجل صدوره عند كل لقاء يجمعنا، وكان الدكتور يغمض عينيه، ويمتلئ وجهه بابتسامة مغتبطة، ويقول: «قريبا إن شاء الله». وحين جمعني مع الصديق لقاء إحدى اللجان العلمية الأسبوع الماضي في المنامة، لم تتكرر كلمة «قريبا» هذه المرة، بل بادرني بنسخة موقَّعة من الكتاب.
يحكي الكتاب سيرة مريم الابنة البكر للدكتور فؤاد، وضمنا حكاية الأسرة الصغيرة. أما العقدة الرئيسة في الكتاب فهي ولادة مريم بضعف شديد في حاسة السمع، ومن ثم اضطلاع مريم ووالدها ووالدتها بمهمة ضخمة، هي مهمة الخروج بها من عالم الصمم إلى عالم الكلام، في مجتمع كالمجتمع العربي ما زالت ثقافته أقرب إلى عزل ذوي الاحتياجات الخاصة، ودون مستوى الانفتاح عليهم والتأهيل لهم. وفي النهاية تسجيل تجربة كفاح شاق تمكنت فيها مريم -بحمد الله - من الكلام واجتياز المراحل الدراسية والتخرج في الجامعة بتفوق، وشغل وظيفة مرموقة في أحد البنوك، وزواجها وإنجابها لياسمين.
هكذا يصبح الكتاب سيرة حياة، ولكنها سيرة تدلل على بطولة، هي بطولة مريم التي تتضمن بطولة أبيها فؤاد وأمها نادية: بطولة تحيل ما هو شخصي وخاص في حياة كاتبها وهو الأب وفي حياة ابنته وزوجته إلى عام؛ لأنه يرقى إلى مستوى النموذج. ولم يستقل السرد للأحداث بالدلالة على النموذجي في تلك البطولة، بل تضافر معه الحشد للشهادات المختلفة من كثيرين أحاطوا بمريم وأسرتها. كما لم تقف أحداث الكتاب عند مريم بل امتدت إلى الأثر الذي أحدثته مريم في أبيها، في قوله: «جعلتني مريم أكثر إنسانية»، فقادته عبر عضويته في الجمعية البحرينية لتنمية الطفولة، إلى الدعوة إلى تأسيس مركز للعناية بذوي الاحتياجات الخاصة، وتأسيس مركز الأمير سلطان بن عبدالعزيز لتنمية السمع والنطق بالمنامة، الذي تولى الدكتور فؤاد بنفسه رئاسته.
وإذا كانت هذه السيرة تلفت إلى أكثر من معنى، فإن أول ما تلفت إليه هو إيمان الدكتور فؤاد وأسرته بقضاء الله وقدره، كما ينبغي الإيمان وكما يستقيم. فلم يمنعهم إيمانهم من البحث عن علاج، وظل كفاحهم في سبيل العلاج كما هو ثباتهم عند صدمتهم بتشخيص مشكلة ابنتهم، عامرا بالإيمان بما قدره الله عز وجل؛ فالمرض قضاء وقدر والعلاج كذلك، ونحن «نفر من قدر الله إلى قدر الله». وإلى هذا المعنى الإيماني العظيم فإن الكتاب يدلل على عظمة الحب في حياة الإنسان: الحب الذي يغدو التمسك بالعائلة وإجلالها عنوانه الأبرز في انتظام ما يعصم الإنسان من الضياع والجنون والاغتراب والتشيؤ والتوحش. ومن هذا النبع يتدفق الأمل في الحياة ومغالبة المستحيل، كما تتدفق المشاعر الإنسانية الرقراقة التي تحرض على التعاطف مع الناس وتجعلنا أكثر إنسانية.
لقد سطر الدكتور فؤاد شهاب في هذا الكتاب تجربة ذات قيمة مهنية للمختصين في شؤون ذوي الاحتياجات الخاصة والمهتمين بهم، وذات قيمة إنسانية وثقافية. وأعتقد -في أقل الأحوال - أن الجمعيات السعودية ذات العلاقة في هذا الشأن، يمكن أن تفيد من التجربة وأن تصنع حوارا بينها وبين الأسر التي تعنيها هذه المشكلات.

zayad.s@makkahnp.com