هل يكذب فضيلة الشيخ؟

بعد جلسة وحديث عابر مع مجموعة من القضاة، لسرد بعض الهموم والمشاكل التي يواجهها القاضي - المسؤول عن إقامة العدل في المجتمع - كانت الإجابات تسير في تيار صادم للصورة الذهنية التي يحملها المواطن عن القاضي، وعن الحياة الرغيدة التي يعيشها والحصانة - غير المفعلة - التي يتمتع بها! أول الصدمات أن تعرف هذه الحقيقة التي لولا معرفتي الشخصية بالقاضي وتأكيدها من أكثر من طرف، لظننت فضيلة الشيخ يكذب إذ يقول والعهدة على فضيلته الذي حلفني أيمانا مغلظة بعدم إظهار اسمه: تخيل يا محمد.
.
لو ظلم أي موظف من مديره أو مرجعه في أي قطاع بالدولة، يستطيع أن يرفع قضية في ديوان المظالم عليه وانتهت المشكلة.
لكن عندما يظلم القاضي - وما أكثر القصص والمآسي للقضاة - فهل تصدق أنني كقاض لا أستطيع رفع قضية للمحكمة ضد الجهة التي أعمل بها في حال تعرضت لظلم؟ أمر غاية في الظلم أن يكون القاضي، مصدر العدل للناس، هو ذاته لا يستطيع دفع الظلم عن نفسه! ثم يضيف فضيلته: العقبات والنتوءات لا تنتهي، فعدم كفاءة الموظفين العاملين في مكتب القاضي حكاية أخرى، ولذا يضطر القاضي للقيام بالكثير من الأعباء الإدارية وتحرير الخطابات ومتابعة الموظفين وغيره من العمل الروتيني وليس من صميم عمله، وتستنزف وقتا طويلا، على حساب عمله الأهم، وهو الحكم بين الناس.
أضف إلى ذلك سوء المباني، خلا مدينة الرياض، فإن غالب المحاكم في مبان مستأجرة مهترئة.
تخيل - يضيف قاض آخر من جدة - دورة المياه في مكتبي الحالي لا توجد بها إضاءة، وأضطر لاستخدام النور الخلفي للجوال للدخول لدورة المياه، أعزكم الله، بعد أن بح صوت الخطابات والاستغاثة لشركة الصيانة! يضيف قاض ثالث: دعك من هذا كله.
.
لدينا مشكلة كبرى، وهي كثرة التعاميم والخطابات من مرجعك، والتي تناقض بعضها، وتدخلك في حيرة من أمرك! من جهة أخرى لا يوجد أي تدريب للعاملين أو تطوير حقيقي، في ظل نظام الكتروني (يعلق) كثيرا ويتعطل، وقد دفع فيه الملايين.
هل تصدق أن القاضي بلا تأمين طبي؟! هل تصدق أن القاضي ممنوع من المشاركات الإعلامية ومن وسائل التواصل الاجتماعي؟ كل هذا غيض من فيض، وجوال العبد الفقير كاتب هذه الأحرف يغص برسائل لقضاة غارقة في الألم والمعاناة، وعلق في الذاكرة كلمة لأحدهم: (يا أخي أنا أبغى أستقيل.
.
كل ما أريد اقبلوا استقالتي!! رفعتها ورفضت أكثر من مرة!).
لا بد من الالتفات لملف القضاة وإصلاحه في أقرب وقت، والكل يعلم أن القضاء السعودي يشهد موجة تسرب عالية لصالح مكاتب المحاماة وشركات القطاع الخاص، في ظل الفارق الكبير للرواتب والمزايا.
مع تلقي كل هذه الصدمات من جلسة مع مجموعة قضاة، تسرب شعور داخلي: ماذا لو كان يكذب فضيلة الشيخ؟ تلا ذلك بحث مع قضاة آخرين من مناطق أخرى، وليتني ما فعلت! لأن البحث أكد أولا أن ما قاله فضيلة الشيخ صحيح، ولأنه ثانيا نكأ جراحهم على أمور أخرى لا طاقة للمساحة المتبقية من المقال بها! m.
hathut@makkahnp.
com