شخصيات تقارب (الحقيقة)!!

(مدخل) كنت عازما في هذا النثار على اختيار موضوع من ثلاثة موضوعات قريبة، وهي: مشكلات العقار الجديدة في منطقة الحرم المكي، والنسبة المخيفة لزيادة معدل حالات الاكتئاب والعنف في مجتمعنا، وقيمة خطاب (الثقافة) في المكون (الحضاري) .
.
ولكني ارتأيت أن (أقارب) هذه الموضوعات معا، بلسان شخصيات روائية، لطالما تردد صدى كلماتها في ذاكرتي (حلا) لأزمات جمالية واجتماعية معا.
.
خطاب (أدبي) يفضي إلى (معالجة) مافي الواقع من توترات متراكمة! .
.
بالتأكيد فـ (وعيكم) سوف (يستنتج) دلالات هذه الحوارية: (١) من رواية (القديس فرانسيس) لـ"نيكوس كازانتزاكس":[ذات ليلة كان فرانسيس يتجول في أزقة أسيزي، والقمر بدر معلق في كبد السماء، والأرض بكاملها تعوم بفرح في الجو، أجال بصره فلم ير عند مداخل البيوت أحدا يمتع ناظريه بمعجزة القمر.
اندفع إلى الكنيسة، ثم ارتقى برج الأجراس، وراح يقرع بالناقوس، وكأن كارثة قد وقعت.
استيقظ الناس مرتاعين، واندفعوا راكضين باتجاه الساحة الكبرى، حيث هناك فرانسيس يقرع الجرس باهتياج، فصرخوا به هادرين: لماذا تقرع الأجراس؟ أجابهم من أعلى البرج: ارفعوا أبصاركم يا أصدقائي.
.
فقط، انظروا إلى القمر.
.
].
ومن (تقرير إلى غريكو) لكازانتزاكس أيضا، يتحدث هذا الهائل عن الشخصية الشهيرة (زوربا) بقوله: [.
.
ولو أن سؤال العمر كان مطروحا أمامي حول اختيار دليل روحي، أو غورو كما يسميه الهنود، فلا شك أنني سأختار زوربا، لأنه كان يتمتع بكل ما يحتاج إليه الموجه للخلاص: النظرة الأولية التي تصل إلى هدفها كالسهم، والتجدد كل صباح، الأمر الذي كان يساعده على أن يرى كل شيء باستمرار وكأنه يراه للمرة الأولى، وأن يمنح العذرية إلى العناصر اليومية والأبدية.
.
الهواء والبحر والنار والمرأة والخبز، كما كان يتمتع بيد واثقة وقلب طازج عذب، ويتمتع أيضا بالتصدي الجريء الذي يمكنه من إثارة نفسه، وكأنما هو في أعماقه يملك قوة أكبر من نفسه، وأخيرا تلك الضحكة المدوية التي تنبع من الأعماق الفائرة إلى ما هو أعمق.
.
].
(٢) ومن رواية (رقص) لـ"معجب الزهراني "تأتي تلك الأقوال على لسان البطل (سعيد) الشخصية الأكاديمية التي عاشت في فرنسا، ثم عملت في جامعتها العريقة السوربون، لينتهي به مطاف أحلامه عند قريته الجنوبية.
.
يكتب ويغني ويرقص ويتذكر ويقول:[لأننا لا نحسن التفريق بين وهم الوهم والحقيقة نخلط وقائع الحياة بأحلامنا، فتتداخل الخيوط ولا نعود نعرف أين نوجد؟ وكيف نعيش هناك؟.
.
آلة ذهنية تعطلت ولا بد من إصلاحها أو إتلافها، كي لا نظل ضحايا لثقافة السراب هذه]! ويقول: [الدين ليس أفيون الشعوب وصرخة المضطهدين، والإيمان بالطريقة التي يفرضها الكهنة على البشر، ويستثمرها السلاطين لا يعنيني.
السعيد هو من يفرح بما لديه ويحترم ما لدى الآخرين، أما الحكيم فهو الذي ينشغل بحقائق الحياة على الأرض، ويترك حقائق السماء لأهلها] ويقول كذلك: [صدقت يا صديقي، المنطقة كلها مرشحة لمزيد من الكوارث، لأنها أصيبت بالعمى وتصر على التداوي بالتعاويذ.
.
]، وينشد بين كل فصل وآخر:[من يريد أن تضحك له الحياة فليرقص لها].
(٣) ومن رواية (الطلياني) لشكري المبخوت، والحاصلة على (بوكر) الرواية العربية للعام ٢٠١٥، يأتي الحديث عن الثقافة وشجونها عذبا عميقا على لسان الشخصية المحورية (زينة): [المثقفون الحقيقيون هم من يقودون الأمة للخلاص.
.
خطاب الثقافة الحرة الخالصة هو وحده الذي يقود إلى العزة والكرامة والمجد].
.
وتقول أيضا: [المثقف عندي هو من ينتقد كل شيء دون حسابات، ينتقد كل شيء، ويطلق النار على كل ما يتحرك.
.
يطرح الأزمة بالأسئلة.
.
يخلخل السائد.
.
].
(٤) وفي رواية (طوق الحمام) لـ"رجاء عالم" نسق آخر من لغة لا تشبه مثيلاتها.
.
تراجيعا عذبة لتراتيل مكة المكرمة القديمة في الذاكرة.
.
أكثر من مائة عام تسترجع الكاتبة مشاهدها بدقة متناهية.
.
تدهشك بأجوائها الكرنفالية البديعة لفضاءات (المسجد الحرام) قبل زمن (العقار): [في الطابق الذي يليه وقف معاذ على باب المجلس، متيحا ليوسف الانفراد بصورة نادرة لهندسة الحرم منذ بدايات القرن العشرين، قبل التوسعة والإزالة، لبئر زمزم وقبته، وبوابة بني شيبة، ولمقام إبراهيم الذي هو مقام الشافعي، والحطيم أو الحجر، ومقام الحنفي والمالكي والحنبلي، والمباني التي تجاهد للإطلال على ذلك الصحن: قصر الحكومة أو الحميدية، وقلعة أجياد وأبراجها الخلفية.
.
في الطابق الذي يليه صار يوسف مهيأ للتماهي بمشاهد لمكة وناسها السائرين بالأحياء القديمة: جبل الترك، وجبل الهندي، وحارة السليمانية من الأفغان، وزقاق المغاربة، وزقاق البخارية، وفضاءات الأفارقة والجاويين والأكراد والسند والشام واليمن وحضرموت.
.
أولئك الصبيان سود وبيض وبعيون مشقوقة يلعبون حفاة، والسود الذين يشكلون فرقة تلعب على الطنبور وترقص بخشاخش الأظلاف والخشب، ووجوه التجار الهنود بالجبب الداكنة على الثياب البيض يساومون الضباط الأتراك بالسيوف المرصعة، وإبل الهجانة ملبسة بالأوشحة المطرزة بالفضة، والابتسامات الملمومة لأطفال الأشراف في جببهم القصيرة معممين بالكوافي المرصعة بتنجيم اللؤلؤ، وأطفال الأعيان الأكثر جدية في المشالح المحزمة، أو أطفال بني شيبة سدنة الكعبة بمسحة الجلال في الثياب المقصبة، والمؤذنين الراجعين بنسبهم لابن الزبير.
.
.
).
algohani.
f@makkahnp.
com