ساعي بريد الحارة

عرفته متقلب المواقف، سطحي التفكير بلا رأي يحسب أو يعتد به ولو لحين، أما الحكمة فلا حرج إن قلت إنه يعيش معها أشد أنواع الخصومة، ولربما يبقى هكذا حتى آخر يوم في حياته، وللأمانة ثمة من يرتاح لدوره كساعي بريد يعرف عناوين الحارة، لكن هذا البعض كما أعرف من البسطاء غير القادرين بحكم التكوين النفسي والاجتماعي حتى على التمييز بين الخطوط وألوانها فضلا عن القدرة على موازنة الأمور على أدنى معايير المنطق، وهذه الشريحة في تقديري من أخطر فئات المجتمع لأنها قابلة للتركيب على مقاسات القطيع من ناحية، ومن ناحية أخرى سهلة الانقياد لدخول مربع «معهم، معهم عليهم، عليهم»، وهنا يتصاعد احتمال حدوث خطر التحول إلى أرض خصبة لقبول الأقوال المغلوطة ونشرها بالزيادة، ويأتي في التوقعات مع ذلك أو علاوة عليه ما هو أكبر وأشد نتائج.
في العموم مع ساعي بريد الحارة كان وما زال لمجريات الحياة بكل أسف أن تفرض علي التواصل معه ولو بشكل متقطع أو بحسب الظروف، بيد أنني في كل مرة أصل إلى القناعة التامة بعدم جدوى معاودة التنبيه عليه وإفهامه بأن شحنات البريد التي يحملها لا تعنيني ولا تهمني ..كثيرا ما حاولت، آخر مرة رأيته فيها قَلّب الكثير من أوراق البريد التي يصعب تصنيفها بغير الفوضوية الشريرة جدا، قطعت عليه فرصة الاسترسال وتصنعت الانشغال وكان يرصد عقارب الساعة ويتحين الفرصة لمعاودة فوضى الحديث تمهيدا للوصول إلى ما يمكن له أن يرصده ويعيد تدويره بل وتحويله إلى بريد ضار يسهل تفريغه في أي عنوان، لكنني تعمدت إفشال خطته وكشفته على نفسه بطريقتي ليت وعسى أن يستقيل عن وظيفته الحمقاء.
بصراحة أكثر ما يميز هذه الشخصية يتحدد في كونها متلونة وتأتي في صف اللحظة، فتارة مع وتارة ضد، وهكذا على مر الأيام، على أي حالة لا بد أن في المجتمع مدرسة تنتج مثل هذه الشخصية، والخوف أن يتكاثر الأتباع.
كم من المشاكل الاجتماعية تفاقمت، وكم من القضايا تعقدت جراء نشاط ساعي بريد الحارة، وغالب الظن أن في كل حارة أكثر من ساعي بريد وتبقى تقديرات النتائج تحت مسؤولية المجتمع الراعي.
إلى وقت قريب كانت هذه الوظيفة بحسب تصنيف «المجتمع القبلي» تحديدا حكرا على النساء الكبيرات في السن «العجائز»، إن صح الاتهام فالواقع يقول الأحوال تبدلت وأصبح بعض الرجال يمارسون ذات الوظيفة بجرأة وقلة حياء، كثير من الخصومات الاجتماعية والأسرية نشأت وتوسعت على أيدي شاغلي هذه الوظيفة الوضيعة.
وفي الأخير أرجو ألا ينساق المجتمع أو بعضه خلف ساعي بريد الحارة، الحذر واجب، وبكم يتجدد اللقاء.