شخص سعيد في البرازيل

كانت عائدة لتوها من رحلتها السياحية في أوروبا. وما فتئت تتحدث عن مدى تطورهم ومدى تدهور أوضاعنا مقارنة بهم. تنهدت في ضجر من كلماتها وعباراتها السلبية التي اعتدنا سماعها. حسنا خدماتنا سيئة، أحوالنا الاجتماعية سيئة وماذا بعد؟. ورغم قناعتي بأن حديثها يحتوي على الكثير من المبالغات، إلا أنني لم أستطع منع نفسي من التساؤل، عن سبب هذه المفارقة العجيبة بين ما يضخ من ميزانيات، ما يبنى من مشاريع، وما يطور من خدمات، وبين مستوى الاستياء العام وعدم الرضى الذي يشعر به الناس.
يقول مايكل جرين في حديثه على منصة تيد بعنوان (ماذا يخبرنا مؤشر النمو الاجتماعي عن بلادك) إن الدول تستخدم Gross Domestic Product واختصاره GDP (الناتج الإجمالي المحلي) كأداة لقياس مدى نجاحها اقتصاديا. لنفاجأ حين عرضه لإحصائية توضح العلاقة الطردية ما بين النمو الاقتصادي والنماء الاجتماعي أن دولة مثل البرازيل والتي كانت تعتبر من دول العالم الثالث تفوقت في النماء الاجتماعي على دولة مثل الولايات المتحدة التي تسبقها اقتصاديا بمراحل، وأن هذا النماء الاجتماعي أدى طرديا إلى نماء اقتصادي يكاد ينافس الولايات المتحدة حاليا. ويكمل جرين شرحه لهذه المفارقة العجيبة بأن مقياس GDP الذي يعمد إلى قياس مستوى دخل الفرد، وقياس الناتج المحلي، هو مقياس اقتصادي تم اختراعه من قبل الخبير الاقتصادي سايمون كوزنتس في عام 1934 لتقدير مستوى نجاح الدول من خلال تقدير نموها الاقتصادي. وأن المشكلة هو استمرارنا في استخدام أداة قياس اخترعت لظروف القرن العشرين، لقياس أداء الدول في القرن الواحد والعشرين. ففي حين أن تحديات القرن العشرين كانت الفقر، المجاعة، الجهل. فإن هذه المشاكل تكاد تختفي في القرن الواحد والعشرين ليحل محلها مشاكل مثل الأمن، البيئة، وحقوق الإنسان. وقد شهدنا جميعا في عام 2008، كيف أن انجراف الحكومات خلف المؤشرات المادية، نتج عنه عجز اجتماعي أدى إلى أزمة اقتصادية دفعت بالعالم إلى حافة الانهيار.
إن مثل هذه المعلومات تجعلنا نقف مع أنفسنا ونتساءل، تُرى لماذا رغم ملاءتنا المادية كدولة ما زلنا متأخرين في مقياس نجاح الدول حتى من الناحية الاقتصادية؟ لنكتشف أننا في عصر ثورة المعلوماتية ما زالت تسيطر علينا قوانين القبيلة. وأننا في عصر الانفتاح الإعلامي ما زالت تحدنا حرية التعبير عن الرأي. وأننا في عصر النماء الحضاري ما زلنا نعاني من التشدد الديني، التمييز الجنسي والعنصرية. وعليه فإن ما نحتاجه حقا هو المزيد من الانفتاح الفكري والبرامج الثقافية. المزيد من البرامج التنموية التي تعزز ذاتية الفرد، وقيمة البذل للمجتمع. المزيد من التركيز على إنشاء أجيال متمكنة معرفيا، تمتلك حرية الخيارات، وتعادل الفرص. لذا سنشرح في المقال المقبل بإذن الله، مؤشر النماء الاجتماعي، لنفهم كيفية عمله، وإمكانية تطبيقه في حياتنا.