هيئة توليد الوظائف.. وإصلاح سوق العمل
الاثنين، ١٩ أكتوبر ٢٠١٥
صدر الأسبوع الماضي بالتزامن قراران جوهريان موجهان لسوق العمل والبطالة، الأول يتعلق بإنشاء هيئة جديدة تُعنى بتوليد الوظائف ومكافحة البطالة، والآخر يتضمن الموافقة على نظام العمل الجديد، كلا القرارين يهدف في المقام الأول لتمكين المواطن السعودي من العمل، وتقليص نسبة البطالة.
فنظام العمل الجديد وفقا لما قاله الوزير مفرج الحقباني سيحفز على المزيد من توظيف السعوديين، وزيادة الشفافية مما يقلل من حجم الدعاوى القضائية بين العمال والشركات، فيما ستتولى الهيئة الجديدة تنسيق الجهود بين الجهات الحكومية والخاصة لخلق الفرص الجديدة للعمل سواء في القطاع العام أو الخاص. القرار الجديد يوحي أن جميع القطاعات مستهدفة دون استثناء، وإن كانت الظروف تشير إلى أن بوصلة خلق الوظائف ستتجه إلى القطاع الخاص كونه الأكثر اتساعا للموظفين الجدد في السنوات المقبلة، وأن هناك قطاعات ستكون حظوظ التوظيف فيها مرتفعة لكبر حجمها، أو لجاذبيتها، أو قدرتها على توليد واستحداث عدد كبير من الوظائف، مثل قطاعات تجارة الجملة والتجزئة والتشييد والصناعات التحويلية، لا سيما أن القطاع الحكومي تضخم بما فيه الكفاية، وأنه لم يعد قادرا على استيعاب مزيد من الداخلين لسوق العمل.
علاوة على أن هناك مؤشرات عدم رضا حول نسبة نمو وظائف الخاص، فالتقارير الرسمية المعلنة تشير إلى تباطؤ نمو توظيف السعوديين في القطاع الخاص قليلا من 7.3% في عام 2013 إلى 6.8% عام 2014، وتقديرات شركة «جدوى» حول عدد الوظائف المتوقع أن يقوم القطاع الخاص بخلقها خلال السنوات العشر القادمة 2015 إلى 2025 بقيت عند 265 ألف وظيفة في العام، وتعد قليلة مقارنة بحجم الداخلين سنويا لسوق العمل سواء من خريجي الداخل أو الخارج.
قبلهما كشفت وزارة الخدمة المدنية على لسان متحدثها الرسمي استقالة أكثر من أربعة آلاف موظف من العمل الحكومي، والاتجاه للقطاع الخاص، هذه الخطوة توحي بتغير ثقافة العمل لدى المواطن من الرغبة في العمل الحكومي، إلى العزوف عنه لصالح القطاع الخاص الذي يرى كثير من الخريجين أن فرص النجاح والبروز فيه أفضل بكثير من العمل الحكومي.
مما سبق يفهم أن هناك نقلة نوعية متوقعة في سوق العمل خلال السنوات المقبلة، هذه النقلة سيكون فيها القطاع الخاص هو الموظف الأول للمواطنين، وستكون هناك تنافسية عالية على وظائفه، ومزيد من تسرب الكفاءات من القطاع الحكومي، نتيجة لتحسين بيئة العمل، وهو السيناريو الصحيح لسوق العمل في جميع دول العالم، أن يكون القطاع الخاص هو المولد الرئيس للوظائف، والمحرك للاقتصاد.
الحقيقة التي لا بد من الاعتراف بها، أن سوق العمل بصورته الحالية غير قادر على الاستجابة لتلك النقلة المتوقعة، ويحتاج إلى إصلاح شامل ليكون قادرا على استيعاب الخريجين الجدد، وتوظيف من منهم في قائمة الانتظار والبطالة، فالقطاع الخاص خلق أكذوبة كبرى «مخرجات التعليم العالي لا تتوافق مع احتياجات سوق العمل»، وبقيت حقيقة مسلمة، حتى جاء برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي ليفضح زيف هذه الأكذوبة، ويكشف عورة القطاع الخاص ببحثه عن العمالة الرخيصة، وعدم رغبته بتوظيف السعوديين، وأن الخلل بسوق العمل وليس بمخرجات التعليم، وبدون إصلاح سوق العمل لن يكون هناك خلق وظائف يمكن أن يقبل بها السعودي.
الحقيقة الثانية أن السوق بحاجة لاستقطاب استثمارات وصناعات قادرة على تحقيق الأهداف التي تسعى إليها الهيئة، وقادر على خلق وظائف مباشرة وغير مباشرة، على سبيل المثال، صناعة السيارات والصناعات التحويلية، ففي صناعات السيارات، وظيفة واحدة في خط الإنتاج يمكن أن تخلق في أقل الأحوال خمس فرص وظيفية في صناعة الأجزاء المكونة للسيارة وقطع غيارها، بالإضافة إلى أنها ذات مردود اقتصادي عال لتكاملها مع صناعات أخرى حيوية كالطاقة والبتروكيماويات والصلب والألمنيوم، وتكوينها مجمعات صناعية متكاملة، تخلق مزيدا من الوظائف.
كل ذلك ممكن الحدوث، لأن الهيئة الجديدة مرتبطة بمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، الذي يضم تحت مظلته جميع الوزراء المعنيين بالعمل والاقتصاد والتجارة والصناعة والاستثمار، وبالتالي فإن البيروقراطية الإدارية والمخاطبات والمكاتبات الرسمية لن تكون حاضرة في رسم السياسات المستقبلية المتعلقة بتوليد وخلق فرص العمل الجديدة.