محمد العباس: شعراء النثر التسعينين منهم من نضج أو صمت أو بهتت تجربته وخفت صوته

تجذب تجربة شعراء قصيدة النثر السعوديون في فترة التسعينات الميلادية النقاد والمهتمون بالشعر، ومن وقت إلى آخر تأخذهم إلى مراجعتها والتداخل مع تفاصيلها، وقد أفرد البعض منهم مقالات دراسية تناولت مختلف شؤونها، وفي الآونة الأخيرة تزايد الاهتمام بها، لا سيما بعد فوز الشاعر أحمد الملا بجائزة الشاعر محمد الثبيتي للإبداع في دورتها الثانية نهاية أغسطس.
جيل مؤسس واعتبر الناقد محمد العباس هؤلاء الشعراء، بمثابة تيار شعري له من الملامح الأدبية ما يكفي لاكتساب هذه السمة.
وقال لـ "مكة": قبل هذه الموجة لم تكن قصيدة النثر سوى نزوات فردية تقترفها ذوات تغرد خارج سرب القصيدة التفعيلية، ولا تستوي ضمن رؤية موحدة أو جماعة ذات هوية وحضور معلن.
وحول تمايز الأصوات التي ظهرت في تلك الفترة أوضح العباس أن "كل صوت احتفظ بنبرته الخاصة ومزاجه الشعري للتعبير عن حضوره الفرداني داخل الجماعة، خصوصاً أن تلك الأصوات كانت تتحدّر من بيئات جغرافية وثقافية وروحية متباينة، ولذلك جاءت قصيدة النثر كمصهر لمجمل التجارب والأدائيات.
كما شكلت منطلقاً لما تلاها من تجارب".
موجة التسعينات ويصف العباس ما أسماه بموجة التسعينات بأنها: -تتحرك بشكل أفقي لتوسيع دائرة المشتغلين بقصيدة النثر.
-بشكل عمودي لتوطين مفاهيم وآليات كتابتها.
وأضاف "ذلك الجيل هو الجيل المؤسس، وهو المسؤول عن توطين قصيدة النثر في المشهد، حيث لم تعد هذه القصيدة حكراً على الأفق المديني فقط، بل تم تمديدها إلى القرى والأرياف، كما تم تكييفها لتتناسب مع مجمل الأنساق الاجتماعية والثقافية".
تفرقت سبلهم وأشار العباس إلى أن كل صوت من تلك الأصوات أتخذ فيما بعد مساره الخاص لتحديد هويته ورسم استراتيجية حضوره، فمنهم من نضّج تجربته، ومنهم من صمت، ومنهم من بهُتت تجربته وخفت صوته، ومنهم من صار يراهن على شكلانية النص عوضاً عن المعنى.
تحرروا من النقد والإعلام وأقر الناقد عبدالله السفر أن التسعينيون لزموا الظلّ وكان شعرهم في الهامش، بحضورٌ طفيف، متحررين من الآباء الإعلاميين والآباء النقديين، فكانوا وحدهم يسعى بينها البريد وتشتعل خطوط الهاتف، وثمة لقاءات خاطفة لكنها عميقة التأثير، من هذه الدائرة: أحمد الملا، إبراهيم الحسين، عبدالله السفر، غسان الخنيزي، أحمد كتوعة، علي العمري، يوسف المحيميد، وبالقرب منهم: حمد الفقيه، سعود السويداء، عيد الخميسي.
وأضاف إن "العمل على النص في هذه التجربة مهّدَ لتأسيس ذائقة تطلب الجديد والمختلف والمغاير، وما من شأنه إدخال دم طازج يمتّنها ويصلب عودها ويطوّر مشروعها الكتابي".
الهامشية الإيجابية وعن علاقة التجربة بالنقد أكد السفر على أن المسافة بينهم وبين النقد جعلتْ التجربة تنضج على مهل، وأضاف "عندما أعود إلى تلك الفترة أتبيّن نعمة غياب النقد عن سماء التجربة التسعينية، فظلّت التجربة منفتحة ومستمرة تساءل نفسها وتتفحص أدواتها مرة بعد مرة، غير مشغولة بهاجس النقد أو تسقّط الصدى".
وأشار في ختام حديثه "ربما تكون هذه التجربة الآن في منطقة الهامش، وما هو معدود من الخارج على الإطار، غير أن هذه الهامشية هو ما يمنح التجربة الأفق الذي ترتجيه، وتكشف عن روح المغامرة".
ــــــــــــــ "هناك خلل في البنية الثقافية والنفسية لدى المبدع، فكانوت يكتبون نصوصهم بدافع التخلص من السلطة.
ومرجعيتهم التجربة اللبنانية، من أمثال سركون بولص وعباس بيضون وسواهم، هذا الهاجس، جعلهم يتجاوزون، وبالتالي يتحملون تبعات ما يحملون من قناعة ثقافية وفكرية، مضيفاً أن عدم التواصل الثقافي مع الآخر يؤدي إلى الانطفاء والموت الإبداعي".
محمد الحرز ناقد