عذابات القرى

القرية في الذاكرة الجمعية تعني النقاء البيئي والأخلاقي، والطيبة والكرم والوفاء، وفطرية قاطنيها، وبعدهم عن التصنع والزيف، وحرصهم على التعاون والتكاتف، وتعني أيضا أصالة المنتجات، وجودة التعاملات وبعدها عن الغش والتدليس، وعلى عكس هذه الأيقونات القروية البيضاء، كنا نسمع (البلاوي الزرقا) في المدن، لكن تعالي أرقام الهجرة إلى المدن القريبة قلَب المعادلة، فصارت القرى اليوم على قلة ساكنيها تعيش حالة من الفوضى والارتباك، وهنا يجب أن تلتفت الدولة بكل أجهزتها، فتوليها العناية اللازمة لصيانة تلك المجتمعات المهمة.
عند تقليب موضوع القرية في الذهن ستجد أن الكثير من الشؤون تحتاج إلى مراجعة جادة وصادقة، ووضع حلول سريعة وناجزة، فعلى الصعيد الأمني يواجه سكان القرى العديد من الخروقات الأمنية، من الوافدين غير النظاميين، أو من الشباب الأغرار المتأثرين بما عرفوه أو سمعوا به في المدن، فالمخدرات تنتشر انتشارا مريعا بين المراهقين، هذا الانتشار يحفزهم على السرقة، سواء بالقفز على البيوت ونهب محتوياتها، أو سرقة الماشية وبيعها في الأسواق بأثمان زهيدة، لتوفير حاجتهم من المخدرات التي لها تبعاتها أيضا في جرائم القتل أو الاعتداءات سواء على أفراد الأسرة أو على الآخرين، والعجيب غياب رجال الأمن عن تلك المناطق إلا ببلاغ من المواطنين إثر حادث، في غياب لافت للأمن الوقائي.
أما على الصعيد البيئي فالمدن اليوم أكثر نقاء ربما من القرى في كثير من المناطق، وقد صارت التجمعات السكانية في القرى تستهلك ما يستهلكه أبناء المدن تماما، لكن القرية لا تحظى بالخدمات البيئية على الإطلاق، فكل مخلفات الاستهلاك الصناعية، وخاصة المنتوجات البلاستيكية تأخذ أماكنها على الشجر، وحول تلك المجمعات السكانية أو في أعماق الآبار المكشوفة، وقد يجتهد بعضهم في رمي مخلفاته في مجاري الأودية ليبعدها فقط عن منزله، ولا يبالي إن تراكمت عند غيره أو وصلت إلى البحر، فدور البلديات والمجمعات القروية شبه منعدم في الكثير من القرى، سواء في جانب النظافة، أو في جوانب مكافحة الحشرات والأوبئة، أو في الجوانب التوعوية والتنظيمية.
الزراعة والرعي من أهم أنشطة سكان القرى، يقابلها إدبار من وزارة الزراعة، فأنشطتها شبه منعدمة في تلك المناطق، سواء في رعاية الماشية صحيا أو تقديم الدعم المعلوماتي والطبي لأصحابها، أو حفر الآبار وتوفير المياه وترشيد استخدامها، أو منع الاحتطاب الجائر، أما على صعيد الفعل الزراعي فقد عزف عنه الكثير من القرى لندرة المياه، أو لغياب دور الوزارة في وضع الحلول المناسبة لمشاكلهم الزراعية، وبعدها عن الميدان، إذ يكتفي موظفو فروع وزارة الزراعة بالجلوس في مقراتهم، وانتظار مجيء طالبي المساعدة، ليدوروا في فلك الإجراءات البيروقراطية حتى يسأموا ويفقدوا حماستهم للأمر، ناهيك عن ضعف حمايتها للمزارعين من جشع تجار المنتجات الزراعية والذين يبخسون المزارعين بضاعتهم، وهم يبيعونها للمواطنين أضعافا مضاعفة.
وفي المجال الصحي تعاني القرى من ضعف الرعاية الصحية، وتواضع كفاءة الكوادر العاملة والتقنيات، فمعظم الحالات يجب أن تحوّل إلى المدن الكبيرة، وهناك يدخل سكان القرى في معمعة المواعيد الفلكية، التي لا تبالي بما يلقونه من صعوبات في المواصلات، أو السكن، وأن بعدهم عن منازلهم ومواشيهم ومزارعهم سيعرضها لما يحذرون ويكرهون، فلماذا لا توفر وزارة الصحة لهم مستشفيات تسد 80% على الأقل من حاجاتهم، وفي ذات الوقت تخفف عنهم ويقل الضغط على مستشفيات المدن.
أما على الصعيد الثقافي والتوعوي، فهي مناطق منسية، أو مهمشة، فقلة مراكز التنمية الاجتماعية، وضعف جهودها في تقديم المأمول لدعم هذا الجانب الحيوي المهم، وكذلك غياب الشؤون الإسلامية، فلم تعد القرى تستهوي الوعاظ والمصلحين الاجتماعيين، وأيضا تغيب رئاسة رعاية الشباب عن تلك المناطق، ولم تستغل الجهات الاجتماعية وجود المقرات المدرسية لخدمة الجوانب الثقافية والرياضية والتوعوية خارج أوقات الدراسة، فدور المدرسة ينتهي بخروج الطلاب منها لتظل صرحا للأشباح حتى يعودوا.
فتهميش الجانب الثقافي أدى إلى بروز ثقافات (الهياط / والإسراف / والخصومات الاجتماعية / والنعرات القبلية / وغياب التعاون) حتى صارت أيقونات تستوقف المراقب من الخارج، وتتطلب تحرك الجهات الرسمية والأكاديمية والاجتماعية لوضع الحلول والبرامج المناسبة لإعادة مجتمع القرية إلى الطريق السوي الذي حرفها عنه التجاهل والتهميش.
تعاني القرى أيضا من تدني مستويات التعليم، فلا تستغرب أن تجد طالبا ممتازا ينتقل من القرية ليصطدم بصعوبة التعليم في المدينة، فعبارة (مشّي حالك) من العبارات الشهيرة في عرف الكثير من المعلمين والمعلمات، بحجة أنهم مكرهون على العمل في تلك البيئات البعيدة عن رغباتهم في التعيين، وبحجة التعب الذي يواجهونه في المواصلات، ويغيب عنهم أن توقد الذكاء من صفات أبناء القرى...و(للحديث بقية).