العريف وصحبه
الخميس، ١٥ أكتوبر ٢٠١٥
اطلعت على ما كتب في الصحف المحلية بخصوص المجالس البلدية في مملكتنا الحبيبة وهي في دورتها الثالثة، وهنا تحركت في داخلي شجون الماضي ورغبت أن أسطر ذكرياتي عن المجلس البلدي في مكة المكرمة، خاصة وقد تجاوزت الثمانين من العمر وأحمد الله جل وعلا أن من علي بهذا العمر الطويل بعد أن خدمت هذا الوطن المعطاء.
فقد كنت أحد موظفي أمانة العاصمة المقدسة، التحقت بالخدمة عام 1369هـ، وعملت في كل إدارات وأقسام الأمانة المختلفة موظفا، وتدرجت فيها رئيسا ومديرا لإداراتها منذ عهد أمينها الشيخ عبدالرؤوف صبان (رحمه الله)، وصولا لمنصب مساعد أمين العاصمة في عهد أمينها الأستاذ عبدالله عريف (رحمه الله)، والذي شرفت بالعمل معه جنبا إلى جنب منذ عام 1379هـ وحتى وفاته عام 1397هـ أي ثمانية عشر عاما لصيقا به، تثقفت من ثقافته حيث كان رجلا عملاقا كبيرا في كل شيء أستاذا بكل ما تعنيه هذه الصفة، قريبا من مجتمعه، كان يقول لنا هذا المجتمع هو بيتكم الكبير فماذا أنتم فاعلون به، أسكنه الله فسيح جناته.
واستمرت خدماتي مع معالي الدكتور المهندس عبدالقادر كوشك (رحمه الله) لمدة عامين، أحلت بعدها إلى التقاعد، وهو رجل تجمعت في شخصه جل الصفات الحميدة، وقد جاهد كثيرا من أجل خدمة مكة المكرمة، ومن هنا انتقل بحديثي موضحا أنه حين أنابني الأستاذ عبدالله عريف عنه بحضور اجتماعات المجلس البلدي لم يكن إلا رغبة منه أن تكون قرارات المجلس قرارات نافذة، وكنت الأقرب لتحقيق هذا الإنجاز بحكم مسؤولياتي الوظيفية وحضوري جميع جلسات المجلس معه على الدوام مسبقا وأمام ارتباطاته ومسؤولياته وحرصه على كيان المجلس والذي كان يراه داعما لتحقيق الكثير من مشاريع الأمانة في تلك الحقبة.
فوجد بنظره الثاقب مدى القبول الذي كنت أحظى به من رئيس المجلس البلدي في مكة المكرمة آنذاك وأعضائه واندماجي بقامات وهامات الرجال العظام وكوكبة المجتمع المكي وهم الشيخ صالح محمد جمال والشيخ عبدالله كعكي، والشيخ أحمد جمال والشيخ حامد مطاوع، والشيخ صديق دمنهوري، والشيخ علي زين العابدين، والشيخ حامد أزهر، والشيخ كامل أزهر، والشيخ علي بن حسين القرشي، والشيخ حامد الوافي، والشيخ علي أبوالعلا، والشيخ علي بشاوري (رحمهم الله جميعا)، والشيخ عبدالرحمن فقيه، والشيخ بسام محمد البسام، والشيخ رشاد زبيدي (حفظهم الله)، وغيرهم كثير لا تسعفني الذاكرة بحكم الزمن الطويل ذكر غير من ذكرت.
وكنت في تلك الحقبة مساعدا للأمين وكان لذلك الاجتماع قصة خاصة ليست كغيره من اجتماعات المجلس البلدي في مكة المكرمة، وكان ذلك تحديدا عام 1394هـ حين قال في نهاية الاجتماع وتمامه الأستاذ عبدالله عريف: اجتمع بهم يا عبداللطيف وكان يقصد اجتماعا لاحقا تم الاتفاق عليه تكملة لسابقه.
وبعد أن فض الاجتماع وخرجت بمعية سعادته رحمه الله واستقللت سيارتي وصولا لمقر الأمانة في ريع الكحل ودخلت مكتبي مع صلاة العشاء أدركت الصلاة مع الموجودين وهممت بالاطلاع على المعاملات الموجودة في مكتبي، وبعد ساعة أو يزيد حظيت باتصال تليفوني من أستاذنا الكبير والوقور الشيخ حامد مطاوع رحمة الله عليه وهو رئيس تحرير صحيفة الندوة وعضو المجلس البلدي آنذاك، وهو شخصية اجتماعية عامة غني عن تعريفي لشخصه رحمه الله قال لي ما نصه: يا عبداللطيف عمك صالح وبعض الأعضاء تأثروا كثيرا من تفويضه لك وهذا ليس نقصانا بحقك ولكنهم اعتبروا أن تفويضه لك هو رغبة منه في البعد عن اجتماعات المجلس، وكان يقصد في حديثه معي الأب الروحي لأبناء مكة المكرمة أستاذنا الوقور الفاضل صالح جمال رحمة الله عليه وقال عليك أن تعالج الموقف مع الأستاذ عبدالله، فأدركت جسامة ما ذهبوا إليه والموقف بالنسبة لي وكيفية معالجته فكيف لا أحتار والحدث هو بين عملاقين كبيرين وقامتين يعرف كل منهما قدر الآخر لديه فما عساني فاعل.
ولكني استعنت بالله فقبل أن أنام وأنا أتفكر كيف لي أن أعالج الحدث سرعان ما تذكرت أن هناك مشروعين كان قد طالب المجلس البلدي بتحقيقهما وهما توسعة تهذيبية لشارعي ربع أطلع بشعب عامر وحي الفخرانية بالجميزة سبق رفعهما من الأمانة لوكالة وزارة الداخلية حين ذاك بحكم ارتباط الأمانة بوكالة وزارة الداخلية لشؤون البلديات وتحديدا في عهد وكيلها الشيخ عبدالله السديري رحمة الله عليه.
وصادف ورود الموافقة عليهما قبل يومين من الحدث مع التوصية بالتنفيذ فجال بخاطري أن يكون ذلك مدخلا لي أنهي به ما تكدر، فأصبحت مبكرا كعادتي وتوجهت لمكتبي واستحضرت ملفي المشروع وانتظرت بفارغ من الصبر حضور سعادة الأستاذ عبدالله عريف لمكتبه، والذي كنت مجاورا له..وأكمل في المقال القادم بإذن الله.