وعي المجتمع يحاصر وهم التعالم

لعقود مضت ظلت مقولة (لحوم العلماء مسمومة) سوطا على كل من ينتقد العلماء، بل وظلت كافية لإنهاء أي حوار ينتقد أو يعترض على رأي «عالم شرعي»، الغريب في هذه العبارة أنها قيلت في سياق الدفاع عن إمام الأشاعرة، وأول من قالها هو الحافظ بن عساكر (من علماء القرن السادس الهجري وصاحب المصنف المشهور تاريخ دمشق).
وقد وردت في كتابه «تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري» بالنص التالي: «واعلم يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء رحمة الله عليهم مسمومة وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة» (ص 29)، المقولة كانت للدفاع عن إمام الأشاعرة ضد منتقديه، ومنهم أهل الحديث (السلفية الآن)، قبل أن تتحول هذه المقولة ليستعين بها السلفيون للدفاع عن علمائهم.
والحديث في هذه المقالة ليس لمناقشة أقوال الأشاعرة أو خصومهم، وليس لمناقشة المقولة بذاتها، وإن كنت ضد التخصيص في الحرمة، فلا فرق بين لحم العالم ولحم البوّاب، وبالتأكيد يظل للعالم احترامه وتقديره، لكن السؤال الذي ظل يُلح عليّ منذ فترة: من هم العلماء؟، وكلمة علماء عندما نطلقها هكذا بدون تخصيص فنحن نقصد بها المتخصصون في العلوم الشرعية، لكن هل كل متخصص في العلوم الشرعية هو بالضرورة عالم، أم إنها تستلزم بالإضافة إلى التخصص البحوث العلمية وتقدم السن؟هذه الأسئلة أثارها ما يُعرف بـ(بيان 55 عالما بشأن ما يجري في سوريا)، وبعيدا عن جرأتهم على التسمية، فقد بدأ أغلبهم متفاجئا من ردود أفعال المجتمع – خاصة في برامج السوشال ميديا – فوعي المجتمع أصابهم بصدمة، وبدأت الأسئلة الجادة والساخرة تنهال عليهم، فلم يجدوا بدا من وصف من لم يقتنع بقولهم إلا أنه لا يحترم العلماء، وقبلها قال أحد أبرز منظريهم مغردا: (الإعراض عن سماع قول العلماء والدعاة تعصبا وردا للحق منهج أهل الضلال منذ عهد النبي نوح «وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم»).
وهذه مقولة شبيهة لمقولة بن عساكر، فهو هنا يرى الإعراض عن سماع قول العلماء والدعاة تعصبا وردا للحق (منهج ضلال)، وكأن رد قول غير قول العلماء والدعاة (تعصبا وردا للحق) ليس بمنهج ضلال، والاستدلال بالآية الكريمة يوحي للمتلقي بأن رد قول العلماء مساوٍ لرد قول الأنبياء، وهو إيحاء دأب الكثير من المهووسين بالتميز في تمريره من خلال السعي للقب عالِم الذي يرونه لقب تفضيل عن بقية البشر، لكن يبقى الرهان ليس على وعي هؤلاء للعودة للوسطية، بل الرهان على وعي المجتمع فهو القادر على أن يعيدهم للحق، فهم تعودوا أن يقولوا رأي العالم لتلميذه، ولم يتنبهوا أن التلميذ لم يعد أُمياً، والأهم أن يقتنعوا بأن أسلوب تقريع التلاميذ لن يعيدهم لمنهج الطاعة المُطلقة!