كيف تنتهي أزمة اليمن
الأربعاء، ١٤ أكتوبر ٢٠١٥
أزمة ليست كسائر الأزمات، فلم تكن طارئة ولا جديدة على هذا اليمن غير السعيد، والمعذب أهله، منذ عقود من الزمان، وتأتي عمليتا الحزم، وإعادة البناء بعد سلسلة مريرة من الفقر والجهل والمرض، والحيرة، والعراك المذهبي والقبلي المحتدم، وبجعل قيمة الإنسان مرتبطة بكم وكيف ما يحمله من سلاح.
مراحل من عدم استغلال موارد البلد، ومن تهجير الشباب المتطلع للقمة العيش والأمان إلى مختلف أنحاء المعمورة، بتعاقب سلطات ظلامية جائرة، بداية من عصر المملكة المتوكلية وحروبها مع عدن، ومرورا بحرب اليمن، والثورة، ونشوء الجمهورية اليمنية، ووصولها إلى الوحدة مع عدن، وسيطرة علي عبدالله صالح عليها لأكثر من ثلاثة عقود، ثم عودته بعد الخلع في محاولات سلطوية دائبة دموية للسيطرة على الوطن اليمني، والاستمرار في مص جميع خيراته، وذبح الشعب البائس من الوريد إلى الوريد.
إذن فالأزمة اليمانية ليست حالية، وليست عسكرية فقط، وهي مقترنة في هذه المرحلة بتمرد حوثي أرعن، وتدخل إيراني خبيث من كل النوافذ الفكرية والتواجدية والاجتماعية؛ وحتى لو تمكنت عاصفة الحزم، وعملية إعادة الأمل من تعديل بعض ما هو موجود على أرض الواقع من واقع أليم، إلا أن الأساس يظل مختلا، ويحتاج لبدايات قوية مخلصة من معشر القبائل، التي ينزوي كل منها في جحر فكري ضيق رافض للآخرين، ومتقوقع في حياة شقاء وحذر وحقد ليصبح السلاح وسيلتهم المثلى للبقاء، والعنف طريقتهم للتفاهم، وخطف الأجانب وسيلتهم للضغط على الحكومة إن وجدت، وللمناورة والمقايضة مع القبائل الأخرى.
فقر مدقع ومرض وجهل، رغم أن ما كان ينهال عليهم من أموال دول الخليج في العقود الماضية يكفي لتأسيس وبناء الإنسان، وتكوين نهضة ومدنية، ونشر الوعي والتعليم، وتأكيد الحرية الفكرية والمذهبية.
ويأتي من يتكلم عن القات، وكيف أنه استشرى بين الشعب اليماني مؤخرا لدرجة قميئة تشعر من خلالها بأنك تعود لعصور الكهوف؛ وقد يبرر العارفون ذلك بصعوبة ما مر به هذا البلد من نكبات، ومن حيرة، وإحباط، ومن مقارعات عصيبة عصبية بين القبائل، والحكومة بأمل خطف بعض الحقوق.
المخلوع، عرف كيف يدير كآبتهم بجلسات القات، والفلسفة المغلوطة، وبأحلام الشرعية، والديموقراطية، والحرية في الحديث لدرجة السفاهة، وخلق العداء وتأكيده بين المذاهب والطوائف، واحتضان لقاعدة الإرهاب؛ فيشعرك البلد بتناقض عظيم بين ما كان يقال في جلسات مجلس الشعب، وبين ما يظهر واضحا للعيان على أرض الواقع المنكوبة.
المخلوع أيضا كان سببا قويا في تدخلات دولية خارجية متناحرة تسعى لتحريك الشارع اليمني جبريا، والسيطرة عليه، وظل هو من يقبض ويهنأ، ويسعد، ولا يترك للشعب حتى الحصرم.
الحل العسكري الحالي رغم آلامه، كان نتيجة تفكير وتدبير من قيادات دول الحلف الساعية لانتشال البلد من براثن الطغيان؛ والحلف يعمل جاهدا لإصلاح الحال؛ ولكن الواقع أعظم وأعمق من مجرد حرب على الطغيان.
نتمنى أن يعي ذلك الشعب اليمني بكافة طبقاته ومكوناته، فيخلصون في سعيهم للتصحيح مما بهم، وأن يتجنبوا الثورات والقلاقل والعزلة والإرهاب، والتردي من جل جوانبه الاجتماعية والسياسية والمذهبية، حتى لا نرى عودة للانتكاس السببي بعد بلوغ الأمل.