دعوا القرارات تأخذ حقها في التطبيق!

الاستعجال في تقييم القرارات والتغييرات التي يمكن أن تحدثها قبل تطبيقها على أرض الواقع، أصبح ظاهرة تستحق الدراسة والتحليل في المجتمع، فما إن يصدر قرار أيا كان نوعه، إلا وتسبق تطبيقه التوقعات والتحليلات التي لا تستند على واقع، والأمثلة على ذلك كثيرة، لكنني سأكتفي بالقرارات المتعلقة بأزمة الإسكان، بدءا من إنشاء الهيئة العامة للإسكان، ومن ثم تحويلها إلى وزارة، مرورا بقرار دراسة فرض رسوم الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني، وتطبيق القرض البنكي الإضافي، وأخيرا وليس آخرا قرار تحويل صندوق التنمية العقارية إلى مؤسسة تمويلية على أن يتحول مع الوقت إلى بنك للإسكان.
هذه القرارات كلها جاءت بهدف حلحلة أزمة الإسكان، ولتحقيق رغبة أكثر من 60% من المواطنين بامتلاك بيت العمر، كان من الممكن أن تحدث تغييرا كبيرا في حلحلة أزمة السكن، لو تعاملت معها الوزارة برؤية واضحة ومنطقية، لكن الوزارة التي قد تتحول لاحقا إلى «محرقة ثانية» للوزراء بعد وزارة الصحة - كما أسماها الراحل «غازي القصيبي» - لم تحسن التعامل معها.
والقراءات والتوقعات والتخمينات التي رافقت صدور تلك القرارات، وتوقعت انتهاء أزمة السكن بفعلها، قد تكون خدعت الوزارة، فلم تمنح تلك القرارات حقها في الدراسة قبل التطبيق والتنفيذ، وتقييم جدواها في حلحلة مشاكل الإسكان.
الأسبوع الماضي صدر قرار مجلس الوزراء بتحويل صندوق التنمية العقارية إلى مؤسسة تمويلية، وتلاه كم هائل من التحليلات والقراءات قبل التعرف على القواعد المنظمة لعمل المؤسسة الجديدة التي لم تعلن بعد، وكيف يمكن للمؤسسة الجديدة أن تتعامل مع قروض الأفراد السكنية، وكيف ستدير قروضها مع المطورين العقاريين الذين ألمحت الوزارة للاستفادة منهم في المرحلة المقبلة، هل هذه القروض ستكون قروضا ربحية بفائدة أو لا؟ وما هي أولوية المؤسسة التمويلية؟.
بالطبع تقييم أثر القرارات قبل تطبيقها على أرض الواقع يعد من باب التخمين والتوقعات التي لا تبنى على براهين، ولا يعتد بها علميا ولا عمليا، ولا تخرج عن كونها حديث مجالس، وقد يكون فخا تقع فيها معظم الوزارات والمحللين.
هذه التحليلات كانت شبيهة بالتحليلات التي رافقت قرار مجلس الوزراء القاضي بدراسة فرض رسوم على الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني الذي لا يزال قيد الدراسة لتقييم آثار تطبيقه التي قد ينسفها ما نقلته أمس الأول صحيفة «المدينة» عن وزير الإسكان المهندس ماجد الحقيل الذي قال إن «تحديد رسوم الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني يعكف على دراسته متخصصون، لا سيما فيما يتعلق بالآثار الإيجابية والسلبية للقرار».
هذا التصريح يعيدنا إلى موضوع المقال المتعلق بالاستعجال في تقييم القرارات والتغييرات التي يمكن أن تحدثها قبل اكتمال الرؤية حولها، فتصريح المهندس الحقيل قد ينسف معظم التحليلات التي رافقت صدور تطبيق رسم قرار فرض الرسوم على الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني (الأراضي الخاصة غير المطورة).
فحديث وزير الإسكان حول تقييم الآثار الإيجابية والسلبية للقرار، يفتح بابا واسعا للتكهنات، وسيلا من الأسئلة، ماذا لو كانت سلبيات قرار تطبيق قرار رسوم الأراضي أكثر من إيجابياته؟ كيف ستتعامل الوزارة مع ذلك، هل ستقترح الوزارة تعديله أو إلغاءه؟ وهل يعني ذلك أن القرار قد يعلق تطبيقه بشكل كامل، أو يطبق جزئيا؟.
ضمنيا يوحي حديث الوزير بأن كل الاحتمالات واردة، وأن لدى الوزارة شيئا يمكن أن تقوله حول ذلك، ولكنها غير مستعجلة، وأن تحويل صندوق التنمية العقارية إلى مؤسسة تمويلية، سيعطي المؤسسة الجديدة مرونة أكثر في إقراض المطورين العقاريين، وإقراضهم يحمل رؤية مضادة لرسوم الأراضي البيضاء، لا سيما وأن ملاك الأراضي سيتحركون لتطويرها بالاستفادة من قروض المؤسسة التمويلية الجديدة، أو دخول المؤسسة في شراكات مع القطاع الخاص لإنشاء مشاريع سكنية مشتركة.
وحتى تتضح قواعد المؤسسة التمويلية، وتكتمل دراسة تقييم الآثار الإيجابية والسلبية لقرار رسوم الأراضي البيضاء، دعوا القرارات تأخذ حقها في التطبيق، ولا تحاكموا أو تقيموا القرارات قبل تطبيقها، فكل الاحتمالات واردة.