القاتل في الداخل.. القتيل في الخارج (فوضى الإرهاب)!

النبرات المتعالية التي ترددت طوال أكثر من ثلاثة عقود لدفع الأرواح البسيطة والمؤمنة «ثمناً» للسلطة والموقف والصراعات والهوية والأتباع والمكانة الاجتماعية، هل كانت في ظل هذا الأمان وفي مجتمع يغلب عليه طابع المجتمع المتديّن والملتزم أخلاقياً والمحافظ اجتماعياً؟ هل كانت تعتقد أن الأمر يمكن أن يمرّ سياسياً إلى الأبد، وحتى تتحقق أهدافها في خلق هذا التوتر الذي أصبح ظاهراً في حالة الاحتقان التي نشهدها بين كل التيارات؟الوقود الذي تم إشعاله قبل أكثر من عقدين ونصف في ثياب وقلوب وأرواح المجتمع البسيط الذي تعلّم القيم الإنسانية ليتحوّل خلال سنوات قليلة إلى مجموعات مجهولة وبنوايا قاتلة من أجل أن يحظى داعية بحضور أو وجاهة أو تشكيل وسائل ضغط على القرار السياسي أو انتفاع


إلخ مهما كانت الأسباب، والتي غالباً لا يتم تحقيقها إلا من خلال جمهور يمكن مراوغته والكذب عليه وتضليله، وهذا الجمهور عادة يبدأ تدريبه على السمع والطاعة في مراحل مبكرة، حتى وصل الأمر إلى التدريب العسكري كما شهدت جماعات انتمت في أوقات ما إلى القاعدة، وهي أولى الوجهات الضالة في طريق تحقيق العدالة الإنسانية، واستخدمت أبشع الوسائل في تحقيق أهدافها بالقتل والترويع والفوضى في كافة مناطق العالم

لم يكن هذا الوقود ليمرّ بعد أن تجاوزنا الحدود علانية ومن قبل أشخاص يغلفون الإسلام بالدعوة التي سرعان ما تحوّلت إلى دعوة للقتال والجهاد والتحريض عليه
منذ أن اندلعت هذه النّار والكثير يحذّر من نتائجها، منذ أن بدأت الحرب الطاحنة من قبل تيار العنف ضد كل ما هو حضاري وإنساني ومعرفي
الحرب التي تضرر منها مجتمع كامل، مرّة باسم الحداثة وضدها، ومرّة باسم العلمانية وضدها، ومرّة باسم الليبرالية وضدها، وهذه المصطلحات والمفاهيم يتم تسميمها في المنابر ليخلق هذا المجتمع الخاص بدعاته هالة من الكلمات الرنانة والمحشوة بالضلال والفساد

يحدث ذلك في مجموعات قابلة للتشكل والطاعة لتبدأ حرب الداخل واحتقان المجتمع
وما إن انتصرت بعض الأحزاب السياسية التي ترفع شعارات إسلاموية حتى علت أصوات الداخل لتنتقل إلى منابر عربية مستغلة الفرصة التي أتيحت لها ومستفيدة من جماهيريتها وصوتها المتعطّش لهالة الحضور والتأثير وسلالة الأتباع، ومعتقدّة أن الوقت هو الوقت الذي لن يتغيّر، ومستسهلة الواقع السياسي في المنطقة كلها
هذه اللعبة التي لم تجرّب مرارتها الجماعات الإسلامية التي حاولت تغيير واقعها وحدودها وإمكاناتها لتسيطر على منطقة التغيير الشعبي التي غيّرت بعض معالم الشارع العربي في السنوات الأخيرة
هذا العلوّ في الصوت صار دافعاً لتلقين العالم أبجديات الحياة والتحريض الذي يسميه بعضهم «استنهاض الأمة» من أجل الدفع بجيل كامل، إما للإيمان بالفكرة أو لتطبيقها وخوض المعركة بدلا عنهم، متناسين الحدود والأنظمة والأوطان والحياة والأهل والناس، بدافع شهوة السيطرة وتسميم المجتمع من أجل السلطة ودفعنا كلّنا للمجهول
لا أحد يعرف كم «ألفا» مغررا به ذهب منذ حرب أفغانستان وحتى داعش وما بعدها، لكننا نعرف طعم المرارة التي يتركها مثل هذا الفعل في حلق مستقبلنا
والأمرّ أن هناك أفكاراً في غاية العتمة، أفكاراً مؤجلة لا تزال تنتظر الفرصة للانقضاض على الحياة وتوجيهها ناحية البشاعة والموت المجانيّ والتهوّر في فهم مقاصد العيش والسلام
لا أحد يدري إلى متى سيستمر مجرى الدم البشع في عروقهم، وماذا بعد أن تتاح لهم فرص أخرى للخروج من حالة الحذر التي يعتقدون أنها موقتة وسرعان ما يعاودون الكرّة من جديد، فهم المعتادون على انتهاز الفرص، وهم الذين هيؤوا جماهيرهم لنصرتهم متى ما أرادوا توجيههم حتى إلى الموت!لا نعرف من وما الذي جعلهم يخطئون بحقنا كل هذه السنوات، التاريخ أم الفهم، السياسة أم الجغرافيا، الحظ أم الذكاء، الخيانة أم الصدق، النوايا الطيبة أم الخبث؟وهؤلاء الضحايا المستسلمون، إلى أي درجة هم في الوهم؟ وماذا بشأن المستقبل لغير المتفائلين؟ والسؤال الأكبر: هل هناك من بيننا من يضمر لنا الشرّ؟ ومن يقف معه، ولماذا وإلى متى؟هل يوجد لديننا من لا يزال مفهوم «الأمّة» أغلى لديه من مفهوم الوطنية والهويّة؟ وهؤلاء، إن وجدوا، فلماذا لا يذهبون بلا عودة، يذهبون بعيداً عن قلوبنا وأوجاع الحياة فيها، الدنيا واسعة ووجه الجريمة لا يخفى ولا أوكار القتلة تخفى، ولا الزمن يحتمل الفُرجة أكثر مما قتل منّا ولنا، ولا هؤلاء الذين يجرحنا غيابهم في سجون العالم من جوانتانامو إلى أبو غريب