غشاوة
الجمعة، ٩ أكتوبر ٢٠١٥
حين حصل الدكتور يوسف خليف على جائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي، عام 1409هـ، قلتُ لأستاذي الدكتور علي البطل – رحمه الله -: إنَّ الدكتور يوسف خليف لا يستحق الجائزة؛ لأنه ذو منهج في الدرس الأدبي تقليدي، وأنه انطباعي في نقده! فقال لي: لا! إنَّ هذا العالم جدير بتلك الجائزة الرفيعة، وأن الرجل باحث وناقد جليل، وأن ما توهمتَه من أمره، إنما لأنه اتخذ الأسلوب الأدبي طريقة له في الكتابة، تباين ما عليه نقاد اليوم في اصطلاحاتهم.
ربما كانت كلمات الدكتور علي البطل أول تنبيه أُحَذَّر فيه من الغشاوة التي رانت على عقلي وذوقي، وذلك أنه غبر عليَّ زمان لم أكن لأرى النقد إلا ما كان سَمْته المناهج النقدية الحديثة، تلك المناهج التي راجت في حياتنا الأدبية، وحسبنا أنها العلم، وما سواها قشور لا تستحق العناية بها، ولقد خُيَّل إليَّ، وأنا أقرأ في مناهج النقد الأدبي ذي الرسوم الحداثية، أن بمقدور النقد الأدبي أن يغدو علما خالصا، مثله مثل العلوم الخالصة، في الرياضيات والفيزياء والكيمياء، وأن على الناقد الأدبي أن يثبت أدبية النص الذي يدرسه ويقاربه، بموازين علمية، يبرهن فيها على ما يدَّعيه، مثلما يثبت العالم تجربته في المعمل!لم تنقشع تلك «الغشاوة» سريعا، ولكن كلمات الدكتور علي البطل هزَّت ما استكان في عقلي ووجداني، وأسفت، بعد ذلك، أنني أعرضْتُ عن ألوان من الكتابة النقدية، ما كان لي أن أعرض عنها، حين توهمت أن العلم كل العلم، ما يحشد له نفر من أساتذة الجامعات خيلهم ورجلهم ليقنعوا القراء والأدباء والمشتغلين بالأدب والنقد، أن لا نقد إلا ما استجلبوه من نظريات النقد الحداثي، من الشرق ومن الغرب، وجعلوا يسخرون ويستخفُّون بكل ما يباين ما نهجوه في دراساتهم.
وحين انقطعتُ، حينا من الدهر، لقراءة تلك الآثار التي اطَّرحتُها وأعرضتُ عنها، أدركتُ، قبل فوات الأوان، أنني كنتُ واهمًا، وأن في نقد يوسف خليف وشكري عياد وعبدالله الطيب المجذوب ومنصور الحازمي، ونقاد آخرين، داخل الجامعة وخارجها = علما عميقا، وفهما ثاقبا، ودراية بمضايق النصوص، وأن النقد الأدبي عند أولئك إنما يقوم على الخبرة والذوق والعلم، وأنه يصعب أن يصيب ناقد بغيته إن توهَّم أنه مستطيع أن يبلغ غايته من النصوص الأدبية، بمعايير تجعل النص المقروء مِزَقًا وأشلاء، تُوْهِم من يظهر عليها أن فيها العلم كل العلم، وأن كل الصيد في جوف الفرا! رحم الله الدكتور علي البطل، فلقد كانت كلماته الحانية تلك، بما انطوت عليه من تنبيه، دفاعا عن منهج أصيل في قراءة النصوص، كان هو واحدا من ممثليه، قبل أن يتسلط على نقد الأدب مَن كلُّ بضاعته دروسٌ في النقد الأدبي يلقيها على طلابه في الجامعة، فتوهَّم أن ذلك يسوِّغ له أن يتحدث في النقد، فيطيل الكلام فيه!