عبودية أخلاقية مزيفة

لم تكن كلمة المثالية موجودة في العصور القديمة كمفردة ضمن قاموس كلماتهم، لكنها كانت فعلا حاضرا بينهم..ومنذ الوقت الذي دخلت فيه هذه الكلمة لقاموس مفرداتنا اللغوية، بدأت تتلاشى كفعل قائم.
ولعل السبب يعود لكثرة الضغوط التي تسببها هذه الكلمة على سامعيها، وزوال القناعة لدى المطالبين بها.
فكل من الزوجين يضغط على الآخر، ليحقق المثالية التي ينشدها كل منهما، وكل مسؤول يرفع سقف المطالب لمن هم تحت إمرته، ليحقق جزءا من المثالية التي يراها إلزامية عليهم.
والأبناء يشكون عدم مثالية الوالدين، والوالدان يتطلعان لوجوب مثالية الأبناء، والمربون والدعاة والفقهاء يصورون المجتمعات المثالية التي ينبغي أن تكون عليها مجتمعاتنا ـ وللأسف ـ القائمة قد لا تنتهي.
لنصل إلى نتيجة بعيدة كل البعد عن جزء بسيط من المأمول من مظاهر المثالية.
ولن تعود المثالية يوما؛ إلا حين تصبح رغبة داخلية بعيدة عن الضغوط الخارجية.
وليس هناك أكثر أثرا في النفوس من القبول دون شروط، للارتقاء للأفضل وتحقيق المقصود.
ولو عدنا لعهده، صلى الله عليه وسلم، نجده نموذجا رائعا لقبول الآخر كما هو، فكان الصحابة، رضوان الله عليهم، يسألونه عن خير الأعمال؛ فيجيبهم على ما يفضلونه من أعمال، ولا يحملهم فوق طاقتهم ليصلوا للمثالية المنشودة.
وعن معقل بن يسار أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال «أفضل الإيمان الصبر والسماحة»، وفي حديث آخر «أفضل المؤمنين أحسنهم خلقا»، وأيضا قيل يا رسول الله أي الناس أفضل؟ فقال «مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله، ومؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله، ويدعُ الناس من شره»، وفي حديث «أفضل الأعمال الصلاة لوقتها، وبر الوالدين»، «أفضل الأعمال: أن تدخل على أخيك المؤمن سرورا، أو تقضي عنه دينا، أو تطعمه خبزا».
وعن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ فقال عليه السلام «لا؛ ولكن أفضل الجهاد حج مبرور».
تنوع قائمة الأعمال الفضيلة، وتعدد مفهوم الجهاد والعبادة؛ يخففان الضغط على المجتمع فكريا وعمليا، ويجعلانه يُقبل على الخير بعيدا عن الضغوط التي تحشره في زاوية المثالية، فيختنق ليذهب به فكره أو عمله بعيدا عن الصواب، لاختلال التوازن الفكري ابتغاء للمثالية.
وحتى العصاة والمخطئون والمقصرون، كان يقبلهم، عليه الصلاة والسلام، وإن أقام الحد عليهم.
قال أبوهريرة، رضي الله عنه، (أتى النبي، عليه السلام، برجل قد شرب، قال «اضربوه» قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه، فلما انصرف، قال رجل: ماله أخزاه الله! فقال رسول الله «لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم».
باختصار؛ الرغبة في مثالية الأفراد والمجتمعات، تولد النقد الذي يولد عدم القبول؛ والذي بدوره يولد القسوة التي تقطع أوصال المجتمع وتحطم معنويات الأفراد.